مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

تحليلٌ نقديٌّ لزعم عدم إمكانية الحكْم على تنظيم الكون

السائل أمير النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 203 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أُريد ردًّا على هذه الشبهة الإلحادية، وهي نصًّا (لا يمكن لك أنْ تحدِّد أنَّ الكون منظَّمٌ، وأنت لم ترَ كونًا آخر لتقيس عليه، سأعطيكَ مثالًأ: إذا كنتَ تعيشُ في بيتٍ شعبيٍّ في حيٍّ شعبيٍّ، والمنزلُ من الصَّفيح، ولكنَّ كلَّ العالم له تلك المنازلُ الشعبية نفسها. فهل ستنتقدها؟ لا أظنُّ ذلك بل ستقول: إنه حلوٌ ومنظَّمٌ؛ لأنه يحميك من الشتاء والبرد، وهو جميلٌ؛ لأنك لم ترَ غيره، بل فقط عقلُك تعايش مع هذا الأمر، لكنْ إذا أعطيناك منزلًا شعبيًّا، وقارنّاه لك بقصرٍ فماذا ستقول: إنه الأحسن؟ أظنُّ أنك ستقول بأنه القصر، ولكنْ بالأول كنتَ تقول بأنّ منزلك أنسب لك، فما الذي تغير؟ هذا كان جرّاء المقارنة).

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

تنويه: (هذه الشبهة نقَلها السائلُ من أحد المواقع الشيعية، وقد سبق للموقع الإجابةُ عليها، إلا أنَّ السائل يرغب في إجابةٍ أكثر وضوحًا)..

فنقول في الجواب:

هذه مغالطةٌ واضحةٌ يحاول ناقلُها إنكارَ إمكانية الحكم على الكون بأنه منظَّم بسبب عدم وجود كونٍ آخر للمقارنة، ويمكن تفنيدها وردُّها باتّباع الخطوات الآتية:

أولًا: زعْمُ أنَّ الحكم على شيءٍ بأنه "منظم" أو "متقَن" أو "جيِّد" لا يمكن أنْ يتمَّ إلا بالمقارنة بشيءٍ آخر، ادِّعاء خاطئٌ وفكرة محدودة؛ لأنّ الحكم على تنظيم شيءٍ أو تقنينِه أو جودته يمكن أنْ يتمَّ بناءً على معايير موضوعية مستقلة عن المقارنة، فعلى سبيل المثال، يمكننا أنْ نحكُم على تنظيم الكون بدقَّة بملاحظة القوانين الفيزيائية الثابتة التي تحكُمه، كقوة الجاذبية والتوازن بين العناصر الكونيَّة، ولا يتطلب هذا الحكم وجودَ "كونٍ آخر للمقارنة".

ثانيًا: المثال المطروح يتعلَّق بالتفضيل الشخصيِّ للمنازل الشعبية على القصور، وهو أمرٌ ذوقيٌّ بحتٌ، ولا علاقة له بالتنظيم المُقيَّم علميًّا، فحينما نتحدَّث عن تنظيم الكون، لا نقصد بذلك مجرَّد تفضيلٍ شخصي، بل هو نظامٌ دقيق قائم على قوانين ثابتة يمكن ملاحظتها وتجربتها، فتنظيم الكون ليس تعبيرًا عن ذوقٍ، بل هو نتيجةٌ لملاحظاتٍ وتجارب علمية أظهرتِ الانسجام والتناسُق بين مكوِّناته.

ثالثًا: أنّ العقل قادرٌ على إدراك النظام بدون الحاجة إلى مقارنة، كما يحكم الشخص على الساعة بأنها منظَّمةٌ ودقيقة بناءً على ملاحظته لحركتها المنتظمة وآليّة عملها، دون الحاجة لرؤية ساعةِ أخرى، كذلك يمكن للعقل أنْ يدرك أنّ الكون منظَّم بناءً على قوانينه وآلياته الدقيقة التي تتحكَّم في حركته ووجوده.

رابعًا: المقارنةُ المطروحة بين "البيت الشعبيِّ" و"القصر" تثير تساؤلاتٍ حول معايير التنظيم والدقَّة والجمال، إذ من المفيد التأكيد على أنَّ تقويم أيِّ بناءٍ لا يرتكز على مقارنته بغيره، بل على مدى ملاءمته للغرض الذي أُنشئ من أجله، سواء كان بناءً متواضعًا أم فخمًا، فإنَّ هدفه الأساسَ هو توفير مأوًى مناسبٍ لساكنيه، فكذلك الكون فإنه يعمل على وفق نظامٍ دقيق ومتناغم، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى مقارنة بأيِّ نظامٍ آخر لتأكيدها.

خامسًا: أن تنظيم الكون ليس مسألةَ ذوقٍ أو مقارنة، بل هو نتيجةٌ لقوانين فيزيائية دقيقة ومعقَّدة تحكمه، وهذه القوانين بمثابة دليلٍ قاطعٍ على النظام الدقيق الذي يسود الكونَ، فالظواهر ـ مثل دوران الكواكب، وحياة الكائنات الحية على الأرض، وعمليات النموّ البيولوجي، وغيرها ـ جميعها تشهد على وجودِ نظامٍ كونيٍّ متقَن، دون الحاجة إلى مقارنته بأيِّ نظامٍ آخر.

يتحصَّل من هذا الردِّ أنَّ الشُّبهة المطروحة تقوم على مغالطةٍ أساسية، وهي ربط الحكم على النظام بالمقارنة مع شيءٍ آخر، في حين أنَّ الحكم على دقة أيِّ نظامٍ يتم بناءً على معايير علمية وموضوعية وقوانين ثابتة، لا على مقارنته بآخر، إضافةً إلى ذلك، فإن المثال المطروح في الشبهة حول المنازل الشعبيَّة والقصور إنما يتعلق بالذوق الشخصيِّ، وهو لا يصلح للحكم على دقةِ نظام الكون، هذا، والعقلُ البشري ـ بملاحظة القوانين الفيزيائية الدقيقة التي تحكم الكون ـ هو القادر على الحكمِ على دقة هذا النظام.

وفي النهاية، فإن تقويم دقةِ نظام الكون ليس ذوقًا أو رأيًا شخصيًّا، بل هو حقيقةٌ قائمة على قوانين فيزيائية محكَمة وملاحظاتٍ علمية واضحة.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة