
أن الخالق الذي يفترض عبادته لا يمكن أن يتصف بصفتي الرحمة والقدرة معا، لأن وجود الشر يمنع إحدى الصفتين؛ فهو إما قدير ويرضى بوقوع الشر فلا رحمة له، وإما رحيم لا يرضى بوقوع الشر ولكنه غير قادر على رفعه، فلا رحمة إذن ولا قدرة، وبالنتيجة ينتفي وجود مثل هذا الخالق وهو ما دعاني إلى ترك التدين واعتناق الالحاد.
الجواب
أولاً: - تصنف الشرور الى صنفين رئيسيين:
الأول: الطوارئ الكونية والأقدار، مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والأمراض الفتاكة وغيرها مما لا يد للبشر في احداثها، وهذه الكوارث والاقدار بلا شك هي استثناء وليست أصلاً، كما أن ضحاياها والآلام الناتجة عنها لا تمثل إلا نزراً يسيراً أمام الضحايا التي سببها البشر.
ثم ضع في اعتبارك أن البراكين ليست شرًا خالصًا، لأنها تجدد النظام البيئي الذي يجعل الحياة على الأرض ممكنة للبدء بها. "بدون الثورات البركانية وكل ما تطلقه، لن تتمكن المجتمعات الزراعية من زراعة الغذاء، ولن تتوفر بعض مواد البناء، ولن يكون للغلاف الجوي بيئة غنية بالأكسجين". المصدر:
https://www.usgs.gov/faqs/what-are-some-benefits-olcanic-eruptions?qt-news_science_products=0#qt-news_science_products
فالشر الظاهر يمكن أن يكون حاملا للخير في باطنه كلؤلؤة داخل الصدفة ولكن يحتاج منا الصبر لإخراجه، وكاستئصال طرف من اطراف الانسان المصاب بالسرطان بعملية جراحية، وهذا من الأعمال التي تبدو شرا ظاهريا، ولكنها في الحقيقة خير في نظر الأطباء، والعقلاء، لأن استئصال الطرف المصاب يمنع من انتشار السرطان في جميع انحاء الجسم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﵟوَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَﵞ [سورة البقرة: الآية 216].
الثاني: الشرور التي يرتكبها الإنسان، كالحروب والقتل والجرائم بأنواعها.
فاذا كانت الطوارئ الكونية والأقدار هي الداعي الى رفض الدين واعتناق الالحاد، كان الأولى بصاحب هذه الرؤية الضيقة رفض الإلحاد جملة وتفصيلا، لما ارتكبه من جرائم الابادة الجماعية على أسس عرقية أو دينية أو وطنية، وعلى سبيل المثال مجزرة سربنيتشا الكبرى Srebrenica massacre) ) التي قام بها راتكو ميلاديتش (Ratko Mladić) وراتكو ميلاديتش كان ملحدًا، حيث قام هذا السفاح بقتل 8000 مسلم بوسني في محيط مدينة سربنيتشا في 13 يوليو من عام 1995 بهدف التصفية العرقية والإبادة الجماعية. المصدر:
http://www.potocarimc.ba/_ba/liste/nestali_a.php
http://biography.yourdictionary.com/ratko-mladic
وفي سنة 1997 طبع في فرنسا (الكتاب الأسود للشيوعية: الجرائم والإرهاب والقمع)، وأعادت مطبعة جامعة هارفارد طبعه في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو خلاصة عمل أحد عشر باحثا أكاديميا، وكان مما أثار الرُّعب هو عدد القتلى الفظيع الذي حصدته الشيوعية أثناء حكمها، والغريب أن المؤلفين قد استثنوا إحصائيات الحروب!! لكن العدد يتجاوز مائة مليون في القرن العشرين وحده. المصدر:
https://www.scribd.com/document/3398379/Black-Book-of-Communism
ثانياً: - إن كان الملحد قد احتج بالشر على نفي وجود الخالق، فيحق للمؤمن في المقابل أن يحتجّ بالمثل، بقوله: وجود الخير في العالم يدل على وجود الخالق، لأن الخير أكثر أصالة من الشرّ وهو الغالب، وما عُرِف الشر الا بعد ان عُرِف الخير، فهو قانون الكون المستقر في كل الأنساق، والشر دائمًا هو النشوز والاضطراب، فاستقرار الأرض خير غالب، والزلزال ظرف استثنائي وسلب نسبي لهذا الاستقرار، وبناءً على القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي يشير إلى أن "الأنظمة تتجه دومًا إلى الفساد لا النظام والغائية"، أي أن الخير والصلاح فيها هو الأصل، وعلى ما قاله (دافيد بك) (David Beck): "لو كان الإلحاد حقًا، لما كان علينا أن نتوقّع أن يكون الخير هو الرئيس أو الأكثر أصالة من الشر. في الحقيقة، كنّا سنتوقّع ألا يكون هناك قسما الخير والشر أصلًا". المصدر:
David Beck, Evil and the New Atheism, in God and Evil: The Case for God in a World Filled with Pain, eds. Chad Meister and James K. Dew Jr. (Downers Grove, Illinois: IVP Books, 2013), p.219.
فيكون الأصل في الوجود هو الخير، والشر فيه سلب نسبي وظرف استثنائي، يقول الكاتب الإيرلندي (سي.إس لويس)، الذي ألحد في فترة من حياته بسبب تشاؤمه من الشر والحروب وموت أقرب الناس إليه بالأمراض: "كانت حُجتي ضد الله أن الكون يبدو في غاية القسوة والظلم، ولكن كيف حصلتُ على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ فالإنسان لا يصف الخط بأنه منحني إلا إذا كانت لديه فكرة عن الخط المستقيم، فبماذا كنت أقارن هذا العالم عندما وصفته بأنه ظالم؟ إذا كان العرض كله سيئاً ولا معنى فيه من الألف إلى الياء إن جاز التعبير، لماذا أنا -الذي من المفترض أن أكون جزءًا من هذا العرض- أجد نفسي في رد فعل عنيف معارض لذلك؟ الإنسان يشعر بالبلل عندما يقع في الماء، لأن الإنسان ليس حيواناً مائياً، ولكن السمك لا يشعر بالبلل بالطبع". المصدر: C.S. Lewis, Mere Christianity (New York: HarperCollins Publishers, 1980), p.38
وقال أي سي إيفين (A. C. Ewing) - أحد أساتذة الأخلاق في جامعة كامبردج -: "إنها لحقيقة واقعة أن ثمة خيرات لا تأتي بغير محصول الشرّ، فكيف تتسنّى الفضيلة مثلًا بغير عوائق المغريات ومن ثم بغير الشرّ ولو في صورة الألم والعرقلة؟ وكيف توجد شجاعة بغير ألم أو مشقة أو خطر؟ وكيف يوجد الحبّ في أرفع حالاته التي نعرفها ما لم يكن هنالك داعية للعطف والإشفاق والتضحية، لا بدّ من شر نغلبه كي نحصل على فضيلة الغلبة عليه، وربما كان هناك أنواع أخرى من الحبّ والفضيلة كالتي نتخيّل أن الكائنات التي تعلو على طوق الإنسان متّصفة بها ولا تنطوي على شرّ من الشرور، ولكنها - إذا صح تخيلنا - نوع آخر غير حبّنا وفضيلنا، وكلما تعدّدت الفضائل كان ذلك أفضل وأجمل". [مشكلة الشر لسامي عامري، ص124].
ثالثاً: - لو كان الكون مجرد مادة كما يعتقد الملحد لما فرّق بين الخير والشر، وشعوره بوجود الشر دليل على وجود برمجة مسبقة داخل نفسه هي من جعلته يفرق بينهما، وهذا دليل على وجود من أنبت هذه المفاهيم في أعماق النفس البشرية، دليل على وجود الخالق، يقول عرّاب الملحدين التطوري ريتشارد دوكينز: ((الكون في حقيقته بلا شر ولا خير)). المصدر: River out of Eden, p.131-132.، إذن فما شأن الملحد بمسألة الخير والشر لو كان الكون – كما يعتقد - مجرد مادة، وأنه في حقيقته بلا شر ولا خير؟!
رابعاً: - ان استدلال الملحد بالشر على نفي وجود الله يستلزم اقراره بوجود الخير والشر معا، ولا سبيل له الى ذلك حتى يقر بوجود المعيار الموضوعي الأخلاقي، وهذا العيار متوقف في وجوده على وجود مشرع اخلاقي غير مادي وهو الله جل وعلا.
يقول الفيلسوف (ويليام لين كريغ): "رغم أنّ المعاناة تشكك على المستوى السطحي في وجود الله، إلّا أنها على مستوى أعمق تثبت وجود الله. إذ إنه في غياب الله لا تمثّل المعاناة شيئًا قبيحًا. إذا آمن الملحد أنّ المعاناة شيء سيئ أو أنها أمر يجب ألّا يكون، فهو بذلك يقدّم أحكامًا أخلاقية لا يمكن أن توجد إلا إذا وُجد الله". المصدر:
William Lane Craig, On Guard: Defending Your Faith with Reason and Persuasion (Colorado Springs: David Cook, 2010), p.162
ويقول الدكتور (براند): "لقد قبلت بيسر أنّ سنوات عملي بين المفتقدين للشعور بالألم أعطتني رؤية منحرفة. وأنا الآن أنظر إلى الألم كواحد من أعظم الميزات الرائعة لتصميم الجسم البشري، وإذا أمكنني أن أختار هدية لمرضى الجذام عندي فستكون هدية الألم. في الحقيقة، لقد أشرفت على فريق علمي أنفق مليون دولار لمحاولة تصميم منظومة صناعية للألم. أهملنا المشروع عندما أصبح من الواضح جدًا أنّه ليس بإمكاننا أن ننشئ منظومة هندسية معقدة تحمي الإنسان". المصدر:
Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it, p.12
وختم (براند) كلامه قائلاً: "أحمد الله لأنه اخترع الألم. لا أعتقد أنه فعل شيئًا أفضل من ذلك". المصدر: Ibid., p.39 . فهذا الألم - وهو شر – دليل على وجود صانع حكيم، لا دليل على نفيه بحسب (براند).
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين
