
قال تعالى: {اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ}، الست ايام في هذه الآية هل هي بتوقيتنا الشمسي ام بتوقيت اخر؟ وهل هنالك روايات عن طول يوم القيامة؟
الجواب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.
إنّ لفظَ اليوم في لسانِ القرآن الكريم لا يُحملُ دائمًا على اليوم المعهود عندنا المؤلَّفِ من طلوع الشمس إلى غروبها، بل يجري بحسب المقام والمراد، فاليوم عند الله تبارك وتعالى لا يُقاس بالشمس ولا بالقمر، لأنّ الزمان فرعُ الحركة، والحركةُ فرعُ الأجرام، والله سبحانه خلق الأجرام بعد أن قدّر لها نظامها.. فقبل خلق السماوات والأرض لم تكن هناك شمسٌ ولا فلكٌ لتُقاس به الأيام.
لذلك يُطرح هذا السؤالُ: قبل أن تُخلق السماواتُ والأرض لم يكن ليلٌ ولا نهار، فكيف يُقال: خُلقت السماواتُ والأرض في ستة أيّام، مع أنّ الليلَ والنهار ناشئان من دوران الأرض حول نفسها في مقابل الشمس؟
وهذا مضافًا إلى أنّ القول بظهور المجموعة الكونية في ستة أيّام ـ أي أقلّ من أسبوع ـ يخالف ما أثبته العلم، إذ يرى أنّ تكوّن الأرض والسماء حتى بلغا وضعهما الحالي قد استغرق مليارات السنين.
ولكنّ التأمّل في المفهوم الواسع للفظة (يوم) وما يعادلها في سائر اللغات يُزيل الإشكال، إذ كثيرًا ما يُستعمل اليوم بمعنى الدورة، سواء استغرقت سنةً أو مائة سنة أو مليونًا أو مليارات السنين.
وقد جاءت الشواهد القرآنية واللغوية والروائية على هذا الاستعمال بالنحو الآتي:
إنّ لفظ اليوم والأيام قد ورد في القرآن الكريم مئات المرات، ولم يُرَد به دائمًا اليوم المكوَّن من ليلٍ ونهار، فمثلًا يُعبَّر عن عالم البعث بـ يوم القيامة، وهو دورة طويلة الأمد والمدّة، وقد قال تعالى: ﵟتَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍﵞ [المعارج:٤]، وهو شاهدٌ على أنّ المراد الطور الزمني الطويل لا اليوم الفلكي القصير.
وفي كتب اللغة نجد هذا المعنى صريحًا، فقد قال الراغب في المفردات: ((اليوم يُعبَّر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يُعبَّر عن مدّةٍ من الزمان أيًّا كانت)) [المفردات في غريب القرآن، ص894].
وجاء في روايات أئمّة الدين (عليهم السلام) إطلاقُ اليوم بمعنى الدهر، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: ((الدهر يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك)) [نهج البلاغة، ج٣، ص١٣٣].
وفي تفسير البرهان عن تفسير علي بن إبراهيم، عن الإمام (عليه السلام): ((في ستة أيّام، أي في ستة أوقات))، [البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم البحراني، ج٥، ص٢٨١]، أي ست دورات متعاقبة.
وكذلك في لسان العرب والعجم، يُستعمل اليوم بمعنى العهد أو الدورة، فنقول: (يوم كانت الأرض حارّةً مشتعلة)، و(يوم ظهرت فيها آثارُ الحياة)، مع أنّ تلك الفترات استغرقت ملايين السنين.
ونقول أيضًا: (غصب بنو أُميّة الخلافةَ يومًا، وغصبها بنو العبّاس يومًا آخر)، مع أنّ تلك الأزمنة امتدّت لعشراتٍ أو مئات السنين. [يُنظر: تفسير الأمثل، ج5، ص71].
ومن مجموع ما تقدّم يتّضح أنّ المراد من الأيام الستّة في قوله سبحانه: ﵟاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍﵞ [السجدة:4]، هو ستّ مراحل من التقدير والتكوين، لا ستة أيّامٍ شمسيةٍ من أيامنا هذه.
وأمّا ما ورد عن طول يوم القيامة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة )) [الكافي، ج٨، ص١٦٧].
والنتيجة، أنّ الأيام الستة ليست من أيّامنا، بل هي ستّ دوراتٍ أو مراحل من مراتب التقدير الإلهي للخلق، وإنّ يوم القيامة ليس كأيام الدنيا، بل هو طورٌ وجوديٌّ آخر له نظامه الخاصّ، يُدرك بطريق الإيمان، لا بمعيار الحساب الدنيويّ أو الفلكيّ.
والحمدُ لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
