مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

اليوم عند الله سبحانه غير اليوم عندنا

السائل حيدر ماجد النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 537 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

قال تعالى: {اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ ‏عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ}، الست ايام في هذه الآية هل ‏هي بتوقيتنا الشمسي ام بتوقيت اخر؟ وهل هنالك روايات عن طول يوم القيامة؟

الجواب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

والحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، ‏وهُداةِ الأنام.‏

إنّ لفظَ اليوم في لسانِ القرآن الكريم لا يُحملُ دائمًا على اليوم المعهود عندنا المؤلَّفِ من طلوع ‏الشمس إلى غروبها، بل يجري بحسب المقام والمراد، فاليوم عند الله تبارك وتعالى لا يُقاس بالشمس ‏ولا بالقمر، لأنّ الزمان فرعُ الحركة، والحركةُ فرعُ الأجرام، والله سبحانه خلق الأجرام بعد أن ‏قدّر لها نظامها.. فقبل خلق السماوات والأرض لم تكن هناك شمسٌ ولا فلكٌ لتُقاس به الأيام.‏

لذلك يُطرح هذا السؤالُ: قبل أن تُخلق السماواتُ والأرض لم يكن ليلٌ ولا نهار، فكيف يُقال: ‏خُلقت السماواتُ والأرض في ستة أيّام، مع أنّ الليلَ والنهار ناشئان من دوران الأرض حول ‏نفسها في مقابل الشمس؟

وهذا مضافًا إلى أنّ القول بظهور المجموعة الكونية في ستة أيّام ـ أي أقلّ من أسبوع ـ يخالف ‏ما أثبته العلم، إذ يرى أنّ تكوّن الأرض والسماء حتى بلغا وضعهما الحالي قد استغرق مليارات ‏السنين.‏

ولكنّ التأمّل في المفهوم الواسع للفظة (يوم) وما يعادلها في سائر اللغات يُزيل الإشكال، إذ كثيرًا ‏ما يُستعمل اليوم بمعنى الدورة، سواء استغرقت سنةً أو مائة سنة أو مليونًا أو مليارات السنين.‏

وقد جاءت الشواهد القرآنية واللغوية والروائية على هذا الاستعمال بالنحو الآتي:‏

إنّ لفظ اليوم والأيام قد ورد في القرآن الكريم مئات المرات، ولم يُرَد به دائمًا اليوم المكوَّن من ‏ليلٍ ونهار، فمثلًا يُعبَّر عن عالم البعث بـ يوم القيامة، وهو دورة طويلة الأمد والمدّة، وقد قال ‏تعالى: ﵟتَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍﵞ [المعارج:٤]، وهو ‏شاهدٌ على أنّ المراد الطور الزمني الطويل لا اليوم الفلكي القصير.‏

وفي كتب اللغة نجد هذا المعنى صريحًا، فقد قال الراغب في المفردات: ((اليوم يُعبَّر به عن ‏وقت طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يُعبَّر عن مدّةٍ من الزمان أيًّا كانت)) [المفردات في غريب ‏القرآن، ص894].‏

وجاء في روايات أئمّة الدين (عليهم السلام) إطلاقُ اليوم بمعنى الدهر، كما في قول أمير ‏المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: ((الدهر يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك)) [نهج البلاغة، ‏ج٣، ص١٣٣].‏

وفي تفسير البرهان عن تفسير علي بن إبراهيم، عن الإمام (عليه السلام): ((في ستة أيّام، أي ‏في ستة أوقات))، [البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم البحراني، ج٥، ص٢٨١]، أي ست ‏دورات متعاقبة.‏

وكذلك في لسان العرب والعجم، يُستعمل اليوم بمعنى العهد أو الدورة، فنقول: (يوم كانت ‏الأرض حارّةً مشتعلة)، و(يوم ظهرت فيها آثارُ الحياة)، مع أنّ تلك الفترات استغرقت ملايين ‏السنين.‏

ونقول أيضًا: (غصب بنو أُميّة الخلافةَ يومًا، وغصبها بنو العبّاس يومًا آخر)، مع أنّ تلك ‏الأزمنة امتدّت لعشراتٍ أو مئات السنين. [يُنظر: تفسير الأمثل، ج5، ص71].‏

ومن مجموع ما تقدّم يتّضح أنّ المراد من الأيام الستّة في قوله سبحانه: ﵟاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍﵞ [السجدة:4]، هو ستّ مراحل من التقدير والتكوين، لا ستة ‏أيّامٍ شمسيةٍ من أيامنا هذه.‏

وأمّا ما ورد عن طول يوم القيامة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((فإن للقيامة ‏خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة ‏)) [الكافي، ج٨، ص١٦٧].‏

والنتيجة، أنّ الأيام الستة ليست من أيّامنا، بل هي ستّ دوراتٍ أو مراحل من مراتب التقدير ‏الإلهي للخلق، وإنّ يوم القيامة ليس كأيام الدنيا، بل هو طورٌ وجوديٌّ آخر له نظامه الخاصّ، ‏يُدرك بطريق الإيمان، لا بمعيار الحساب الدنيويّ أو الفلكيّ.‏

والحمدُ لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة