مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

حقيقة الماء المذكور في قوله تعالى {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ‏

السائل مصطفى عبدالله النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 561 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إذا كان الله قد خلق الماء أولًا، فهل هذا الماء هو نفس الماء الذي نشربه والمكوَّن من الهيدروجين والأوكسجين؟ وإذا كان كذلك، ألا يعني أنه كان داخلًا في الزمان والمكان قبل خلق السماوات والأرض، وهذا يناقض القول بأن الزمان والمكان وُجدا مع الكون؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ قوله تعالى: ﵟوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِﵞ [هود:7]، وما ورد في الأخبار المأثورة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ الماء أوّل ما خلق الله عزّ وجل، لا يُحمل على أنّ المراد هو هذا الماء العنصري المؤلَّف من الهيدروجين والأوكسجين الداخل تحت خواصّ عالمنا الحسيّ، بل الأوفق بالجمع بين ظاهر النصوص والبراهين العقلية أن يُفهم منه أنّه مادة الحياة الأولى في الترتيب الوجودي، الذي صدر عنه الخلق في أطواره المتعاقبة، وأنّ ما نعرفه نحن من الماء العنصري إنّما هو طور متأخّر من أطوار تلك المادة الأولى، ولا يمكن إثبات أنّ الماء الذي عليه العرش هو عين الماء المركّب من العنصرين الهيدروجين والأوكسجين المعروفين في هذا العالم، إذ لا دليل نقليّ ولا عقليّ على هذا التقييد.

وقد يُعترض فيقال: ما الذي يثبت لكم أن هذا الماء الذي عليه العرش ليس هو الماء العنصري المألوف، بل هو مادّة أُولى مغايرة له، كان منها بدء خلق الماء وسائر المخلوقات؟

فنقول: إنّ إمكان هذا المعنى ثابت ببرهان العقل، قبل النظر إلى النصوص:

أوّلًا: فلأنّ العقل يحكم أنّ كل ما لا يشتمل على تناقض في ذاته، فهو ممكن، ولا يتوقّف إمكانه على كونه مألوفًا في عالمنا هذا. ووجود مبدأ يسمّى ماءً، وهو مغاير في حقيقته للماء العنصري، وأسبق منه رتبةً، لا يتضمّن محالًا ذاتيًا، بل هو من الممكنات التي تدخل تحت القدرة.

ثانيًا: فلأنّ الاسم الواحد قد يُطلق على مراتب مختلفة في الحقيقة والخواصّ، إذا اشتركت في جهة جامعة. فالماء الأوّل والماء العنصري يشتركان في جهة الإحياء وكونهما أصلًا لما بعدهما، وإن اختلفا في الطبيعة والمرتبة. وهذا الاشتراك مع الاختلاف أمر جارٍ في كثير من الموجودات المعلومة بالحسّ، فكيف بما هو خارج عن نطاق الحسّ؟

قد يقال: إنّ مجرد إثبات الإمكان العقلي لا يكفي في مقام التفسير، لأن التفسير يتطلب تعيين المراد، لا مجرد رفع الاستحالة. فالقول إنّ "مادة الحياة الأولى" ممكنة لا يثبت أنها هي المرادة في الآية، ما لم يعضده نص أو شاهد.

الجواب: نحن لا نقف عند الإمكان العقلي، بل نضمه إلى المانع النقلي (التجسيم والحيّز) لنُثبت أن الظاهر العنصري ممتنع، فيتعين العدول إلى معنى آخر ممكن. فالإمكان العقلي هنا جزء من البرهان، لا كلّه.

وقد يقال: غاية ما في الجواب إثبات الإمكان العقلي، والإمكان لا يساوي الوجود، بل هو مجرد احتمال.

الجواب: صحيح أنّ الإمكان لا يثبت الوجود بنفسه، ولكنه يرفع الاستحالة. فإذا ضممنا إليه أنّ حمل الماء على العنصري ممتنع عقلاً ونقلاً (لتأخره رتبة عن سائر العناصر، وللزوم الجسمية والحيّز من القول به)، تعيّن حمله على معنى آخر ممكن، وهو مادة الحياة الأولى.

وعليه، فإذا ثبت الإمكان العقلي، سقط القول بالاستحالة، وانتفى الإلزام بأن يكون الماء الذي عليه العرش هو عين الماء الذي نعهده. ويؤيّد ذلك ما نجده في القرآن من نظائر، كقوله تعالى: ﵟإِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍﵞ [الصافات:11]، وقوله: ﵟخُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍﵞ [الطارق:6]، فالطين أصل أبعد، والماء المهين أصل أقرب، وكلاهما يصدق عليه أنّه أصل خلق الإنسان، مع التباين في الحقيقة والمرتبة. ونظيره أيضًا قوله سبحانه في اللبن: ﵟوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَﵞ [النحل:66]، فاللبن يخرج من أصلين مغايرين له في اللون والطعم والطبيعة، ومع ذلك فهو متفرّع عنهما. ومثله قوله عزّ من قائل، في العسل: ﵟيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُﵞ [النحل:69]، فالعسل في حقيقته النهائية يختلف تمامًا عن المواد التي يتغذّى عليها النحل، لكنه مفرّع عنها.

ومما يشهد لصحة هذا الفهم ما ذكره العلّامة الطباطبائي (قده) في تفسير الميزان، حيث قال: ((فهو حال والمعنى وكان عرشه يوم خلقهن على الماء وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أن ملكه تعالى كان مستقرا يومئذ على هذا الماء الذي هو مادة الحياة فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره على محل هو استقرار ملكه عليه كما أن استواءه على العرش احتواءه على الملك وأخذه في تدبيره)) ‏[تفسير الميزان، ج10، ص151]. فهو لم يفسر الماء بالماء العنصري المتبادر، بل عدل إلى تعبير (مادة الحياة)، وهو تعبير أوسع دائرةً وأقرب إلى ما دلّت عليه البراهين العقلية من أنّ المراد ليس الماء المحسوس، بل أصل الحياة الذي صدر عنه الخلق.

وعلى هذا، فـ"مادة الحياة الأولى" هو المبدأ الذي تعلّقت به مرتبة العرش تعلّق التدبير بالمبدأ، لا تعلّق المحلّ بالمحالّ، ولا على معنى العلوّ والسفل في المكان، بل على معنى التقدّم في المنزلة وسموّ المرتبة في السلطان والتدبير. فالعرش – في عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) – هو مظهر جامع لسلطان الربوبية وتدبير الخلق، وهذا السلطان قد قام على تلك المادة الأولى باعتبارها أصل النظام الذي تتفرّع عنه سائر المراتب الوجودية.

وأمّا معنى كون العرش على الماء في هذا السياق، فليس علوًّا حسّيًا ولا محاذاة جسمانية، بل قيام العرش على الماء قيام نظام التدبير على أساسه، كما يقال: (الأمر قائم على البرهان، أو الدولة قائمة على العدل)، أي أنّ البرهان أو العدل هو الأساس الذي يُبنى عليه ذلك النظام، لا أنّه محلّ ماديّ له. فكذلك العرش قائم على الماء، أي أنّ أول ما شمله سلطان التدبير الإلهي هو تلك المادة الأولى، ومنها ابتدأت سنن الخلق في الترتيب.

فهذا الارتباط بين العرش والماء ارتباط علّي في النظام المخلوق، لا ارتباط مكاني في الحيّز، والعلوّ فيه علوّ شرف ورتبة، لا علوّ جسم وحيّز. وبهذا البيان يستقيم ظاهر القرآن مع مقتضيات التوحيد والتنزيه، ويزول توهّم الجسمية والمكانية من أصله، ويُفهم أن للماء مراتب، مرتبة أصلية هي مادة الحياة الأولى التي عليها العرش بهذا الاعتبار الرتبيّ، ومراتب فرعية دخلت في نظام عالمنا بعد خلق السماوات والأرض، ولا مانع من إطلاق الاسم على الجميع، مع اختلاف الحقيقة في كلّ مرتبة بحسب شأنها.

مسائل ذات صلة