مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إنكار الخالق وآثاره اللازمة

السائل د. فائق زين العابدين النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 44 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يقول البعض: أنا لا أؤمن بالإله، لأنّي أرى أنّ العقل وحده يكفي لفهم الحياة. فالإنسان والكون وُجدا من غير حاجة إلى خالق، وما يُقال عن المعنى والغاية إنّما هو كلام اخترعه الناس ليعطوا لحياتهم قيمة. أمّا في الحقيقة، فالحياة تمضي كما هي، والعقل قادر على تنظيم شؤون الإنسان من غير إيمان ولا دين، ولهذا فأنا أرى الإلحاد موقفًا صحيحًا، بل أدعى للفخر من غيره.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمدوآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ هذه الدعوى لا تُفهم من ظاهرها، بل تُعرف بما تؤولإليه عند الأخذ بها على وجهها؛ فليس كلّ ما يُرفع له شعار يكون حقًّا، ولا كلّمخالفة دليلًا على سلامة العقل.

فنقول: إنّ الإلحاد يقول إنّ هذا العالم وُجد من غيرسبب، وإنّ الإنسان جاء إلى الوجود من غير مُوجِد، وإنّ ما نراه من ترتيبٍ وانتظامٍليس وراءه شيء. وإذا قُبل هذا القول، لزم عنه أن يكون الوجود كلّه بلا معنى؛ لأنّما لا سبب له لا يُفهم، وما لا يُفهم لا تقوم له قيمة.

وعلى هذا، يكون العقل نفسه ـ الذي يُقال إنّ الإلحاداعتمد عليه ـ أمرًا غير مأمون؛ لأنّ العقل إذا قيل إنّه جاء من غير سبب، لم يبقَفرقٌ بين صوابه وخطئه، ولا وجه لتقديم قوله على غيره. فإذا كان كذلك، فكيف يُجعلأساسًا لإنكار الخالق؟ وكيف يُحتجّ به وهو غير ثابت الاعتبار في نفسه؟ وبهذا يكونالإلحاد قد نقض ما اعتمد عليه من الأصل.

ثمّ إنّ الإلحاد، حين ينفي السبب، ينفي معه القيم؛ لأنّالقيم لا تثبت إذا لم يكن للوجود جهةٌ يُرجع إليها. فعلى هذا القول لا يبقى معنىحقيقيّ للعدل ولا للظلم، ولا فرق ثابت بين الإحسان والإساءة، ولا موجب لتحمّلالمشقّة، ولا سبب لتقديم غير النفس على النفس. وكلّ ما يُقال في باب الأخلاق يصبحمجرّد عاداتٍ يتّفق عليها الناس اليوم ويتركونها غدًا.

وإذا انتقلنا من هذا إلى حال الإنسان نفسه، وجدنا أنّهذا القول يُورث القلق وعدم الراحة؛ لأنّ النفس بطبعها تطلب الكمال، ولا تهدأ معالاعتقاد بأنّ وجودها بلا سبب، وأنّ حياتها تنتهي إلى لا شيء. وهذا الاضطراب ليسأمرًا عارضًا، بل نتيجةٌ طبيعيّة لهذا القول.

ولهذا نرى أنّ من تبنّى الإلحاد لا يجد سكونًا في داخله،وإن حاول إظهار خلاف ذلك بكلامٍ يتجمّل به؛ فإنّ ما لا أصل له لا يثبت، وما لا جهةله لا يستقرّ.

بل إنّ الإلحاد، إذا أُخذ على وجهه، لا يُبقي فرقًاحقيقيًّا بين الصواب والخطأ، ولا بين الاستقامة والانحراف؛ لأنّ الجميع ـ على هذاالقول ـ سواءٌ من حيث البداية والنهاية. وإذا استوى الجميع، سقط معنى التمييز،وبطل وجه الافتخار أصلًا.

وعليه، يتّضح أنّ القول بأنّ الإلحاد يدلّ على استقلالالعقل قولٌ غير صحيح؛ لأنّه في نتيجته يُسقط العقل من حيث الاعتبار، ولا يُثبتللإنسان قيمةً ولا معنى. وما كان كذلك لا يكون موضع فخر، بل يكون موضع سؤالٍومراجعة.

فالنتيجة أنّ الإلحاد، إذا أُخذ بما يوجبه على قائله،ينقض نفسه بنفسه؛ إذ يبدأ برفع شأن العقل، ثم ينتهي إلى إسقاطه، ويتحدّث عنالإنسان، ثم ينفي عنه كلّ ما يجعله إنسانًا. ومع هذا، لا يبقى للدعوى مجال، فيسقطالقول بما يترتّب عليه، لا بشيءٍ خارجٍ عنه.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدناونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة