
مِن أهل السُّنة مَن يسخر، ويستهزئ، فيقول: (يعتقد الشيعةُ أنَّ أئمتهم لهم نفْعٌ حتى بعد موتهم مما يدلُّ على سذاجة مذهبهم وضعْف عقولهم، وهم بهذا شذّوا عن المسلمين)، أفيدونا بردٍّ وافٍ، جزاكم الله خيرًا، وشكرًا لكم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
عندما يسخر الساخرُ، ويستهزئ المستهزئُ بغيره، فينبغي عليه أنْ يتأمَّل في معتقَده، ويراجعَ ما تضمَّنه مِن مسائلَ قد لا تختلف جوهريًّا عن معتقدات مَن سخِر منهم، واستهزأ بهم.
ثم إنَّ المدَّعي لم يقدِّم أيَّ دليلٍ منطقيٍّ أو علميٍّ يُثبت سذاجة اعتقاد الشيعة في نفْع الأئمة بعد الموت أو عدم منطقيته ، وإنما اقتصر على التهجُّم ووصْف الشيعة بالجهل أو عدم المعرفة، وهو ما يعدُّ مغالطةً تستهدف تقويضَ الحجَّة دون مواجهتها بالأدلّة.
ففي معتقَد هذا الساخر ومذهبِه أنَّ الوليَّ ينفع بعد موتهِ، وهو في قبره، فيقول ابنُ القيِّم في "كتاب الروح": ((روى ابنُ أبي الدنيا أنَّهُ مات رجلٌ مِن أهل المدينة، فرآهُ رجلٌ كأنَّهُ مِن أهل النار، وبعد ساعةٍ أو ثانيةٍ رآهُ كأنه مِن أهل الجَنّة، فقال: أ لم تقُل: إنك من أهل النار؟ فقال: بلى، ولكنْ دُفِن معنا رجلٌ مِن الصالحين، فشفَع في أربعين من جيرانهِ، فكنت أنا واحدًا منهم)) [كتاب الروح، ص114، طبعة دار الفجر، و ص81-82، طبعة بيروت ].
يشير هذا النصُّ إلى قدرة الصالحينَ على الشفاعة بعد موتِهم في مَن حولَهم، ويؤكِّد على مكانتهم عند الله وقدْرتهم على التأثير في أحوال الناس حتى بعد مماتهم.
ويقول ابن القيِّم أيضًا: ((روحُ الوليِّ في الدار الآخرة تَهزم الجيوش الكثيرة... إنَّ الولي يدرس، وهو ميْتٌ، وذَكر أنَّ ابن تيمية حلَّ مسالةً في الميراث، وهو ميْتٌ... هذا ذَكرَه البزّاز تلميذ ابن تيمية في كتابهِ الإعلام العليّة)) [كتاب الروح، ص83، طبعة بيروت].
وقال أيضًا: ((إنَّ الأموات عامّة يعرفون، ويسمعون مَن يزورُهم، ويتكلَّم معهم ولو كانوا كفّارًا، وذَكر حديثَ الصحيحين، أيْ حديثَ قليب بدْرٍ... وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه"، متفق عليه... والسلَفُ مُجمِعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأنَّ الميْت يعرفُ زيارة الحيِّ، ويستبشرُ به)) [كتاب الروح، ص9، طبعة الفجر].
وممّن ذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الوليَّ له كراماتٌ بعد موته، وأنه ينفع حتى بعد موتِه، ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط"، حيث قال: ((وكذلك يُصدِّقُ المسلمُ ما يُذكر من كرامات وخوارق العادات التي يُجريها الله عز وجل عند قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوخّي الشياطين لها واندفاع النار عنها وعمّن جاورها وحصول الأُنس والسرور عندها ونزول العذاب بمَن استهان بها وشفاعة بعضهم في جيرانهم من الموتى)) [اقتضاء الصراط المستقيم، ص42].
وممن اعتقد بأنَّ الوليَّ ينفع بعد موته، ابن عبد الوهاب النجْدي في كتابه "أحكام تمنّي الموت"، حيث يقول: ((وأخرج أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادفنوا موتاكم وسط قومٍ صالحين، فإنَّ الميْت يتأذَّى بجارِ السوء، كما يتأذّى الحيُّ بجار السوء)) [أحكام تمنّي الموت، ص17، طبعة الرياض]
وقد أثبت ابن عبد الوهاب تصرُّفَ الأولياء بعد موتهم وكراماتهم، بأنَّ الولي بعد موته يأتي بالمطر إلى أهله، فقال: ((أخرج ابن عدي عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عرفت جعفرًا في رفقةٍ من الملائكة يبشّرون أهل بيته بالمطر")) [المصدر نفسه، ص56].
وأثبت ابن كثير في تفسيره أنَّ الولي يتكلَّم من داخل القبر، فذَكر قصةً في سياق تفسيره سورة الأعراف، حَدثتْ في حياة الصحابة في الكرامات، وهي طويلةٌ، وفي آخرها: ((... فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمرُ قد أعطانيهما ربّي عز وجل في الجنة مرّتين)) [تفسير ابن كثير، ج3، ص483، ط. العلمية].
وقال السيوطي بعد أنْ أورد هذه القصة: ((والقصة مطوَّلةٌ، قد أوردتُها في كتاب البرزخ، وأوردت فيه أخبارًا كثيرة من هذا النمط فيما وقعَ من سماع كلام الموتى للصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال البيهقي: قد رُوي في التكلُّم بعد الموت عن جماعةٍ بأسانيد صحيحة)) [الخصائص الكبرى، للسيوطي، ج2، ص113].
ويؤكد الشيخ نجم الدين الغزّي في كتابه "الكواكب السائرة"، تصرُّف الولي بعد موته، فيقول: ((سُئل شيخ الإسلام الوالد، هل يبقى تصرُّف الولي بعد موته؟. فقال: نعم، يتفق ذلك لكثيرٍ مِن أولياء الله تعالى، واشتُهر ذلك عن جماعةٍ، منهم الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ أرسلان وغيرهما. قال: وأنا اتَّفقَ لي أني كنتُ إذا زرتُ والدي، أتصدَّقُ عند قبره بشيءٍ، فكان يجتمع عليَّ الفقراء متى زرتُه لِما علموا أنَّ ذلك من عادتي، فزرتُه يومًا، فاجتمع الفقراء للصدقة، فتفقدت الكيس، فإذا قد نسيتُه في البيت، فتوجَّهتُ إلى روحانية الشيخ الوالد، فإذا على قبرِه شيءٌ من الدراهم، فتناولتُه، ودفعتُه إلى الفقراء)) [الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، لنجم الدين الغزي، ج2، ص6].
وفي ضوء هذه الأقوال الموثَّقة من مصادرَ معتبرة لدى أهلِ السُّنة، يتّضح أنَّ هذا الاعتقاد ليس ساذجًا ولا بعيدًا عن معتقدات جمهور علماء المسلمين، فالمسألةُ ليست سخرية، بل امتدادًا لمفهوم الكرامات والنفع الذي يمنّ به الله على أوليائه، رحمةً وتوسعةً على عباده، حتى بعد موتهم.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
