مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل في زواجِ النبيّ (ص) من تسعِ زوجاتٍ نقضٌ للشريعة؟‏

السائل رزان مراد النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 75 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

في الإسلام إنّ الحدّ للمسلم أن يتزوج أربع زوجات، لكن نبيّكم تزوّج تسعًا. ‏والقرآن يقول: (مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، وهذا يُفهم منه 2+3+4=9. ثم كيف خُصَّ نبيكم بأحكامٍ ‏دون سائر المسلمين، بينما حُدِّد الزواج لبقية المسلمين بأربع. فلماذا يُستثنى نبيّكم من هذا الحدّ؟ ‏مع أن الأولى به أن يكون هو أشدَّ التزامًا بالقاعدة من غيره، لأن ذلك نقض للشريعة!!‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

هذا الإستشكال مرتبك من جهتين أساسيتين، فهو أولًا يحمِل لفظ الآية على الحساب العددي في ‏حين أنّه بيان بلاغي للتخيير لا للجمع، وثانيًا يجعل خصوصية النبي (صلى الله عليه وآله) ‏خروجًا عن الشريعة مع أنّها جزء من التشريع بنصّ القرآن الكريم، وثالثًا يفترض أنّ مقام ‏النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏ يساوي عموم المكلّفين، بينما مقتضى النبوّة أن تكون له أحكام ‏خاصة تتعلّق بمصالح الرسالة.‏

فأقول: إنّ حملَ قوله تعالى: ﵟفَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَﵞ [النساء:3] ‏على جمع الأعداد ليكون المجموع تسعًا، إنّما هو خطأ في الفهم؛ لأنّ أسلوب العرب في هذا ‏التركيب يفيد التخيير، لا الحساب العددي، أي إنّ المكلَّف إذا أراد التعدّد فله أن يتزوّج باثنتين، ‏أو ثلاث، أو أربع، ولا يتجاوز ذلك، ولو كان المراد تسعة لذكرها القرآن صراحة. ‏

وأمّا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فزواجه بأكثر من أربعٍ من خصوصياته التي نصّ ‏عليها القرآن بقوله: ﵟخَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَﵞ [الأحزاب:50]، أي أحكام خاصة به ‏لمصالح الرسالة الإلهية، من ربط القبائل بالدعوة وتعليم الأحكام عبر أمهات المؤمنين، ونحوها.‏

وعليه، فالقاعدة العامة للمؤمنين هي أربع زوجات فقط، وما زاد فهو من خصائص النبي (صلى ‏الله عليه وآله وسلم) بوحيٍ من الله سبحانه.‏

وبما أن المستشكل من أهل الكتاب، فالمسألة أوضح بالرجوع إلى نصوص التوراة والإنجيل؛ ففي ‏التثنية [19: 15] ومتى [18: 16] جاء: ((على فم شاهدين أو ثلاثة شهود تقوم الكلمة))، ‏والمقصود اثنان أو ثلاثة على سبيل التخيير، لا أن يُجمع العدد فيُقال خمسة.. فهذا نفس ‏الأسلوب الذي جاء به القرآن، فلا وجه لتحويله إلى معادلة حسابية.‏

ثم إنّ كتابكم نفسه يقرّ بخصوصيات الأنبياء في الزواج بإذن الله؛ ففي سفر صموئيل [12: 8] ‏جاء نصّ صريح على لسان الرب لداود (ع): ((وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك في حضنك، ‏وأعطيتك بيت إسرائيل ويهوذا، وإن كان ذلك قليلًا لأضفت لك كذا وكذا))، فهذا إقرار بأنّ تعدّد ‏الزوجات للأنبياء كان بإذنٍ خاص، بل ووُعد بالمزيد لو اقتضت الحكمة.‏

فإذا كان ذلك جائزًا في شريعتكم، فكيف يُستنكر وقوع خصوصية نبوية في شريعتنا لخاتم ‏الأنبياء والمرسلين؟

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ العهد الجديد وضع شرطًا خاصا على فئة خاصة من رجال الدين؛ إذ ‏جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، الإصحاح [3: 2 و12] أنّ الأسقف أو ‏الشمّاس يجب أن يكون ((بعل امرأة واحدة)). وهذا ليس تشريعًا عامًا لكلّ المؤمنين، بل هو ‏اشتراط لفئةٍ مخصوصة.‏

فإذا قبلتم هذا التخصيص في كتابكم، فالإنكار على خصوصية النبي (صلى الله عليه وآله) في ‏الإسلام لا وجه له.‏

والخلاصة، أن القرآن الكريم بيّن الحدّ العام للمؤمنين وهو أربع زوجات، وخصّ النبي (صلى ‏الله عليه وآله) بأكثر من ذلك، كما خصّت كتبكم بعض الأنبياء والأحبار بأحكام استثنائية. ‏

فإذا صحّ عندكم أن يكون لداود (ع) خصوصية، ولرجال الدين المسيحي تنظيم مخصوص، فإما ‏أن تُشكلوا على كتبكم أو تُقرّوا بمثل هذه الخصوصية للنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله).‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة