
في الإسلام إنّ الحدّ للمسلم أن يتزوج أربع زوجات، لكن نبيّكم تزوّج تسعًا. والقرآن يقول: (مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، وهذا يُفهم منه 2+3+4=9. ثم كيف خُصَّ نبيكم بأحكامٍ دون سائر المسلمين، بينما حُدِّد الزواج لبقية المسلمين بأربع. فلماذا يُستثنى نبيّكم من هذا الحدّ؟ مع أن الأولى به أن يكون هو أشدَّ التزامًا بالقاعدة من غيره، لأن ذلك نقض للشريعة!!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذا الإستشكال مرتبك من جهتين أساسيتين، فهو أولًا يحمِل لفظ الآية على الحساب العددي في حين أنّه بيان بلاغي للتخيير لا للجمع، وثانيًا يجعل خصوصية النبي (صلى الله عليه وآله) خروجًا عن الشريعة مع أنّها جزء من التشريع بنصّ القرآن الكريم، وثالثًا يفترض أنّ مقام النبي (صلى الله عليه وآله) يساوي عموم المكلّفين، بينما مقتضى النبوّة أن تكون له أحكام خاصة تتعلّق بمصالح الرسالة.
فأقول: إنّ حملَ قوله تعالى: ﵟفَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَﵞ [النساء:3] على جمع الأعداد ليكون المجموع تسعًا، إنّما هو خطأ في الفهم؛ لأنّ أسلوب العرب في هذا التركيب يفيد التخيير، لا الحساب العددي، أي إنّ المكلَّف إذا أراد التعدّد فله أن يتزوّج باثنتين، أو ثلاث، أو أربع، ولا يتجاوز ذلك، ولو كان المراد تسعة لذكرها القرآن صراحة.
وأمّا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فزواجه بأكثر من أربعٍ من خصوصياته التي نصّ عليها القرآن بقوله: ﵟخَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَﵞ [الأحزاب:50]، أي أحكام خاصة به لمصالح الرسالة الإلهية، من ربط القبائل بالدعوة وتعليم الأحكام عبر أمهات المؤمنين، ونحوها.
وعليه، فالقاعدة العامة للمؤمنين هي أربع زوجات فقط، وما زاد فهو من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوحيٍ من الله سبحانه.
وبما أن المستشكل من أهل الكتاب، فالمسألة أوضح بالرجوع إلى نصوص التوراة والإنجيل؛ ففي التثنية [19: 15] ومتى [18: 16] جاء: ((على فم شاهدين أو ثلاثة شهود تقوم الكلمة))، والمقصود اثنان أو ثلاثة على سبيل التخيير، لا أن يُجمع العدد فيُقال خمسة.. فهذا نفس الأسلوب الذي جاء به القرآن، فلا وجه لتحويله إلى معادلة حسابية.
ثم إنّ كتابكم نفسه يقرّ بخصوصيات الأنبياء في الزواج بإذن الله؛ ففي سفر صموئيل [12: 8] جاء نصّ صريح على لسان الرب لداود (ع): ((وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك في حضنك، وأعطيتك بيت إسرائيل ويهوذا، وإن كان ذلك قليلًا لأضفت لك كذا وكذا))، فهذا إقرار بأنّ تعدّد الزوجات للأنبياء كان بإذنٍ خاص، بل ووُعد بالمزيد لو اقتضت الحكمة.
فإذا كان ذلك جائزًا في شريعتكم، فكيف يُستنكر وقوع خصوصية نبوية في شريعتنا لخاتم الأنبياء والمرسلين؟
وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ العهد الجديد وضع شرطًا خاصا على فئة خاصة من رجال الدين؛ إذ جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، الإصحاح [3: 2 و12] أنّ الأسقف أو الشمّاس يجب أن يكون ((بعل امرأة واحدة)). وهذا ليس تشريعًا عامًا لكلّ المؤمنين، بل هو اشتراط لفئةٍ مخصوصة.
فإذا قبلتم هذا التخصيص في كتابكم، فالإنكار على خصوصية النبي (صلى الله عليه وآله) في الإسلام لا وجه له.
والخلاصة، أن القرآن الكريم بيّن الحدّ العام للمؤمنين وهو أربع زوجات، وخصّ النبي (صلى الله عليه وآله) بأكثر من ذلك، كما خصّت كتبكم بعض الأنبياء والأحبار بأحكام استثنائية.
فإذا صحّ عندكم أن يكون لداود (ع) خصوصية، ولرجال الدين المسيحي تنظيم مخصوص، فإما أن تُشكلوا على كتبكم أو تُقرّوا بمثل هذه الخصوصية للنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله).
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
