مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التلفيق بين الأصوليّة والإخباريّة وخطورته على المنهج العلميّ

السائل 313 النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 355 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما رأيُكم في مَن يقول بأنه وسطيّ يأخذ بالأصول والأخبار... ويقول: أنا لا أحبّ أنْ أُصنِّف نفسي حصرًا حول هذه التصنيفات؛ لأنها قد تسبِّب فتنة بين الشيعة، لكنّ قصدي أنني لست متطرِّفًا بهذه المسمَّيات، أيْ أنّ لي وسطيّةً في ذلك كما أني لا أُنكر المدرستين (الأصولية والإخبارية)، وإنّ العمل بكليهما "مبرئٌ للذمّة" عند كثيرٍ من أعلام الشيعة، وقولي: ((أنا آخذ بالأصول والأخبار))، أتكلم هنا على المعنى اللغوي، وهذا لا يعني أنني أنفي وجود أهل الأصول وأهل الأخبار في زمن أصحاب الأئمة، فمعلومٌ أنّ هشام بن الحكم له كتابٌ بالأصول مثلًا، فهذا لا يعني أنني أُنكرُ وجود أهل الأصول والأخبار في أرض الواقع. نعم على هذا المعنى أنا أُصوليٌّ، ولكنّ هذا لا يعني أنني لا أُوافق المدرسة الإخباريّة في بعض الأمور، وهذا أصلًا يحدث، والعديد من العلماء هكذا. وننوِّه على أنّ هذا الشخص لديه قاعدة جماهيريّة عددُها بالآلاف، ومعظمهم يتّبعون منهجيَّته، فنودُّ الحصول على الجواب الشافي من سماحتكم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ هذا الطرح الذي يُراد له أنْ يبدو كأنّه وسطيّة بين الأصوليّة والإخباريّة، ليس في حقيقته سوى تمييعٍ للحقائق العلميّة ومحاولةِ خلط الأوراق بين منهجَين متضادَّين في أصل الاستدلال الشرعيّ. فالأصوليّة التي قامتْ عليها الحوزات العلميّة الكبرى، والتي أرست دعائمَها مدرسةُ الاجتهاد منذ عصر الشيخ المفيد والطوسيّ حتى يومنا هذا، هي المنهج العلميّ القويم الذي سار عليه مراجع الطائفة وأساطين الفقه. وأما الإخباريّة، فقد قامت على رفض العقل على أنه أداةٌ لفهم الأحكام الشرعيّة، مكتفيةً بظاهر النصوص بلا تحقيقٍ في دلالاتها على وفق القواعد المقرَّرة، وهو انحرافٌ عن المسلك العلميّ الصحيح الذي اتّخذه فقهاءُ الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة.

إنّ مَن يدّعي أنه يأخذ من الأصول والأخبار معًا، ثم يجعل من ذلك وسطيّة، فإنه في الواقع يُوقع نفسه في تناقضٍ واضح؛ إذ لا يمكن الجمع بين منهجٍ يقوم على الاستنباط العقليّ وبين منهجٍ يرفض ذلك الاستنباط من أساسه. فإما أنْ يكون المرء أصوليًّا يعتمد على القواعد العقليّة التي أقرّها الأئمة (عليهم السلام) في استنباط الأحكام، وإما أنْ يكون إخباريًّا رافضًا للاجتهاد ومتمسِّكًا بظاهر النصِّ دون فهْمٍ دقيق لمقاصده. وأما اتّخاذ موقفٍ رماديّ بينهما فهو ليس إلّا ضربًا من الخلط الذي يؤدِّي إلى التشويش على العوامِّ وإدخالهم في دائرة الشكّ بين المنهجين.

وأما الاحتجاجُ بأنّ هشام بن الحكم كان له كتابٌ في الأصول، فيُراد منه الإيهام بأنّ التصنيف بين الأصوليّين والإخباريّين كان موجودًا منذ زمن الأئمة، وهذا قلبٌ للحقائق التاريخيّة. فلم يكن هناك في ذلك العصر تقسيمٌ بهذا الشكل، بل كان هناك متكلِّمون ورواة وفقهاء يتَّبعون أساليب مختلفة في التعامل مع النصوص. ووجود كتاب "أصول" لهشام لا يعني أنه كان أصوليًّا بالمعنى المصطلح عليه اليوم، بل كان ذلك مجرَّد اهتمامٍ بمباحث عقليّة وفقهيّة ضمن إطار ذلك العصر، ولم تكنِ المدرسة الأصوليّة قد تبلورت على أنها مذهبٌ فقهيّ متكامل بعدُ. والمدرسة الأصوليّة لم تتشكل إلّا بعد جهود العلماء الكبار، حيث تطوَّرت قواعد الاستنباط الفقهيّ حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ولا يمكن القياسُ بين مفاهيم ذلك الزمن ومفاهيم العصر الراهن.

إنّ خطورة هذا الطرح لا تكمن فقط في كونه خللًا علميًّا، بل في كونه يُبَثّ بين آلاف الأتْباع، مما يجعله وسيلة لنشر التباس المفاهيم وإحداث اضطرابٍ فكريٍّ بين العوامِّ، فيختلط لديهم الحقّ بالباطل، ويظنّون أنّ هذا الخلط بين الأصوليّة والإخباريّة أمرٌ مشروع، بينما هو في الواقع إضعافٌ للمنهج الاجتهاديّ الصحيح الذي أقرّه مراجع الطائفة على ممرِّ العصور؛ ولهذا، فإنّ كبار علمائنا، من الشيخ الأنصاري (قده) إلى السيد الخوئي (قده) وغيرهم، رفضوا هذا التلبيس، وبيّنوا أنّ الطريق الصحيح لاستنباط الأحكام الشرعيّة هو الالتزام بالمنهج الأصوليّ؛ لأنه المنهج الذي يقوم على فهمِ النصوص على وفق قواعدَ دقيقة تضمَن الوصول إلى الحكم الصحيح.

وما نراه اليوم من محاولاتٍ لتسويق هذا الطرح، بحجّة أنّ الأخذ بكلا المنهجَين مبرئٌ للذمة، لا يعدو كونه دعوى لا دليلَ عليها، بل هي محاولةٌ لإضفاء الشرعيّة على التلفيق الفكريّ الذي يضرّ بالمذهب أكثر مما ينفعه. فالمرجعيّة الدينيّة كانت وما زالت تعتمد على المنهج الأصوليّ، وترى أنّ هذا هو السبيل الوحيد لحفظ أحكام الشريعة وفهمِها بالشكل الصحيح، وأيّ محاولةٍ لتشويه هذا المسار تحت شعار الاعتدالِ أو الوسطيّة ليست إلا خطوةً نحو تشويش عقيدة الناس وإبعادهم عن النهج العلميّ الرصين.

نسأل الله أنْ يثبِّت المؤمنين على الحقّ، ويجنِّبهم الفِتن، ويجعلهم ممن يستضيئون بنور العلم الذي أرساه أهل البيت (عليهم السلام)، والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة