
يمكننا أن نحقق حياةً أفضل إذا اخترنا الرهان على عدم وجود إلهٍ، وإن وجد فهناك احتمال ضئيل لوجوده، في حين لا تتحقق تلك الحياة إذا اخترنا الرهان على وجوده؛ لأن بذلك تفريط لوقتنا الثمين في العبادة، وفي تقديم الأضاحي، وفي المشاركة في القتال والتضحية من أجل ذلك الإله المحتمل الوجود، ولكن يمكننا أن نحقق حياةً أفضل عبر التفكير في افتراض عدم وجوده. فلا نشغل أنفسَنا، ونخسر فرصة العيش بأفضل طريقة في هذه الحياة، ونعيشها بشكلٍ تعسٍ لمجرد احتمالٍ ضئل بوجود إله.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
يظهر أن الملحد يفكر في اتجاهٍ مخالف للمنطق والعقل في سياق وجود الاحتمال؛ إذ عندما يكون هناك احتمالُ وجودِ شيءٍ معين، فإنه ليس مماثلًا لاحتمال عدم وجود ذلك الشيء. فعلى سبيل المثال إذا كان هناك احتمالٌ لكون شخص ما مريضًا، فإنّ هذا لا يماثل بالضرورة احتمال عدم وجود المرض. وبمثالٍ آخر، عندما يتوقع شخص سقوط المطر، فإنه سيأخذ إجراءات تتناسب مع هذا التوقع، وسيحمل مظلةً على سبيل الاستعداد. ومن هنا، يتضح أن وجود الاحتمال يحفز الشخص على اتخاذ خطوات مناسبةٍ تعكس تلك الاحتمالية.
وإذا نظرنا في الحالة المعاكسة، أي عند احتمال عدم وجود مطرٍ مثلًا، أو عدم وجود مرض، فإن ذلك لا يحفز بنحوٍ تلقائي لاتخاذ إجراءات. وبمعنى آخر، إذا افترضتَ أن هناك احتمالية للوجود فستتحرك لاتخاذ إجراءات تتفق مع تلك الاحتمالية، ولكن إذا افترضتَ أن هناك احتمالية للعدم، فلن تتخذ أي إجراء. ويمكننا القول: إنه عندما تحتمل وجود شيءٍ معين، ستتصرف استنادًا إلى تلك الاحتمالية، بينما في حالة الاحتمالية للعدم، قد لا تتخذ أي إجراء.
وهنا يكمن الخطأ في تفكير الملحد، حيث قام بخلط الأمور. فمع وجود احتمالٍ للوجود، اعتقد أنه يجب علينا عدم اتخاذ أي إجراء يتناسب مع هذا الاحتمال، فعلى رغم احتمال وجود الله، لم يقم الملحد بأيِّ تفاعل أو تصرف تجاه هذا الاحتمال. فهذا التصرف يتعارض مع العقلانية والمنطق السليم، حيث ينبغي أن تكون الاستجابة للاحتمالات بنحو توازني وعقلاني.
والخطأ الثاني الذي وقع فيه الملحد يتعلق بقضية المراهنة. فعندما تكون غير متأكد من أنه أيّ الجوانب هو الصحيح وأيّها هو الموجود، يمكنك أن تلجأ إلى المراهنة على أحد الجوانب. وهذا يعني أنك تتخذ تصرفًا استنادًا إلى الاحتمالية. ومن الجدير بالذكر أن هذا التصرف مقبول ومنطقي في حالة عدم المعرفة.
ومع ذلك، قدم الملحد وجهة نظرٍ تعارض هذا المبدأ. حيث قام بتقديم فكرةِ أنه ينبغي ألا تتم المراهنة في حالة وجود احتمال لوجود الله، وعلى رغم اعتماده احتمال وجود الله فإنه لم يتخذ أي إجراء. وهذا ما يناقض منطق العقل والتصرف العقلاني.
وفي الواقع، أن احتمال وجود الله ينبغي أن يدفع الإنسان للبحث والسعي، حتى إذا تسبب هذا البحث في خسارةٍ. فالامتناع عن البحث وعدم الوصول للحقيقة يُعَدّ خسارة أيضًا، وذلك بالإضافة إلى الخسارة الكبيرة في الحياة الآخرة. ويمكننا القول أن التوجه أو السلوك الطبيعي لمواجهة احتمال وجود الله ينبغي أن يدفعنا للتحرك والبحث، حتى إذا كان هذا البحث يحمل معه خسارة محتملة؛ لأن الجهل وعدم البحث هو أيضًا نوع من الخسارة.
وقد وضع العالم باسكال ما يُعرف بمعادلة "رهان باسكال"، حيث قام بتوضيح هذه الموازنة بين الربح والخسارة، فأوضح باسكال أن هناك احتمالية لوجود الله في حالة الإيمان. وفي هذه الحالة يكون هناك ربح كبير في الحياة الآخرة مقابل خسارة محدودة في هذه الدنيا. وبالمقابل، في حالة عدم الإيمان، يكون هناك خسارة كبيرة في الحياة الآخرة مقابل ربح ضئيل في الدنيا. وهذا التفسير الذي قدمه باسكال هو أكثر منطقيةً من وجهة نظر الملحد.
ومن زاوية علم الكلام الإسلامي، يمكننا القول: إن هناك اثنين من الأمور التي يجب على كل عاقل القيام بها في حالة احتمال وجود الله:
الأمر الأول: هو التصدي للضرر المحتمل، فمن يأخذ في اعتباره احتمال وجود الآخرة وعواقبها المحتملة ـ على سبيل المثال "عذابها" ـ فعليه أن يسعى جاهدًا لتجنب هذا الضرر ودفعه.
الأمر الثاني: وجوب شكر المنعم، فمن يأخذ في الاعتبار احتمال وجود الله الذي خلقه، وأنعم عليه، فإنه لا بد له من أن يسعى للبحث عنه لمعرفته وشكره.
وبالنسبة لقول الملحد في الإشكال المطروح بأن الرهان على وجود الله يمكن أن يؤدي إلى خسارة، نجد أن هذا القول يشير إلى عدم فهم الجانب الحقيقي للعبادة. وفي الحقيقة، أن الإنسان في عبادته لله لا يعطي شيئًا لله، بل عبادته لله عزّ وجل تعزِّز قيمته، وفيها ينال من الله العون والرشاد، ويسعد بالنعيم الأبدي، فقد ورد في بعض الروايات أن رجلًا سأل الإمام الصادق (عليه السلام): لماذا خلق الله الخلق؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) بـ: ((أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة، ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم، ويوصلهم لنعيم الأبد)) [علل الشرائع، ج1، ص9].
ونتيجة لذلك، يمكننا أن نقول بأن العبادات هي السبيل الذي يُهيئ للإنسان حياة مُستدامة وسعيدة. فبأداء الصلاة يُحافظ الإنسان على ابتعاده عن الأعمال السيئة والمنكرات. وبتقديم الزكاة، يتحقَّق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وتعزز روح التراحم والتضامن. وأما الصيام، فيُعزِّز الوعي بالفقراء والمحتاجين، ويُعزِّز الشعور بالتواضع.. فهذه التشريعات، إلى جانب غيرها، تعمل جميعها على رفع مستوى الفرد والمجتمع إلى أعلى مراتب الأخلاق والتطور. إنها تساهم في بناء الإنسان من الداخل، فتُؤثِّر بنحوٍ إيجابي على المجتمع بأكمله. ولا يمكن تحقيق حياة سعيدة ومستدامة إلا ببناء الإنسان والمجتمع بالقيم والأخلاق السامية التي تُعزِّزها هذه التشريعات.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
