
السؤال
في القرآن الكريم اسمٌ من أسماءِ اللهِ، وهو (المقيت)، قالت الآية: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء:85]، ومعناه المقت والكره والغضب، فهذا الاسم لا يليق بالله فما هو جوابكم وشكرًا؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
عبارة «مُقيت» مشتقة من «القوت» وهو الغذاء الذي يساعد جسم الإِنسان على البقاء، قال الخليل: ((المقيت الحافظ، والحفيظ أشبه الوجوه؛ لأنه مشتق من القوت، والقوت يحفظ النفس، فكأن المقيت الذي يعطي الشيء قدر حاجته من الحفظ)) [معجم الفروق اللغوية، ص507].
وعلى هذا يكون «مُقيت» اسم فاعل من باب الإفعال، وتعني هنا الشخص الذي يُعطي الآخرين قوْتهم وغذاءهم، وهو بهذه الوسيلة يكون حافظًا لحياتهم، ولهذا تأتي كلمة «مُقيت» بمعنى «حافظ» والحافظ يمتلك القدرة على الحفظ، ومن هنا تكون كلمة «مُقيت» بمعنى «المقتدر» أيضًا، والمقتدر يمتلك حساب من يعملون ضمن قدرته، فتكون عندئذ كلمة «المُقيت» بمعنى «الحسيب» أيضًا، وقد يكون معنى الكلمة في الآية شاملًا لكل هذه المعاني. [يُنظر: تفسير الأمثل، ج3، ص358-359].
جاء في كتاب تهذيب اللغة أنّ معنى المُقيت: ((الحفيظ الذي يعطي الشيء قدر الحاجة من الحفظ)) [تهذيب اللغة، ج3، ص257].
وفي لسان العرب: ((المُقيت: الحفيظ الذي يعطي الشيء قدر الحاجة، من الحفظ؛ وقال الفراء: المقيت المقتدر، كالذي يعطي كل رجل قوْته. ويقال: المقيت الحافظ للشيء والشاهد له؛ وأنشد ثعلب للسموأل بن عادياء:
رُبَّ شتْمٍ سمِعتُه وتصامَمْتُ وعِيٌّ تركتُه فكُفيْتُ
ليتَ شِعريْ وأشعُرَنَّ إذا ما قرَّبوها منشورةً ودُعِيْتُ
أ لِيَ الفضلُ أم عليَّ، إذا حو سِبْتُ؟ إني على الحسابِ مُقِيْتُ
أيْ أعرف ما عملتُ من السوء؛ لأن الإنسان على نفسه بصيرة. حكى ابن بري عن أبي سعيد السيرافي، قال: الصحيح رواية من روى: ربي على الحساب مقيت. قال: لأن الخاضع لربه لا يصف نفسه بهذه الصفة. قال ابن بري: الذي حمل السيرافي على تصحيح هذه الرواية، أنه بنى على أن مقيتًا بمعنى مقتدر، ولو ذهب مذهب مَن يقول: إنه الحافظ للشيء والشاهد له، كما ذكر الجوهري، لم ينكر الرواية الأولة. وقال أبو إسحاق الزجاج: إن المقيت بمعنى الحافظ والحفيظ؛ لأنه مشتق من القوت، أي مأخوذ من قولهم: قُتُّ الرجل أقوْته إذا حفظتَ نفسه بما يقوْتُه. والقوْت: اسم الشيء الذي يحفظ نفسه، قال: فمعنى المُقيت على هذا: الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ؛ قال: وعلى هذا فسر قوله عز وجل: وكان الله على كل شيء مقيتًا، أي حفيظًا)) [لسان العرب، ج2، ص74].
إذن، فـ «المُقيت» بضم الميم هو الذي يكون من أسماء الله سبحانه، وليس «المَقيت» بفتح الميم؛ لأن معناه بغض من أمر قبيح ركبه، فهو مقيت، وقد مقت إلى الناس مقاتة، ومقته الناس مقتًا، فهو ممقوت. [كتاب العين، ج5، ص132].
وبهذا يتضح اختلاف لفظ «المُقيت» بضم الميم في الآية الكريمة الذي يحمل معنى الحفظ، عن لفظ «المَقيت» بفتح الميم الذي يحمل معنى البغض والكره.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
