مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لماذا لا يستجيب الله دعاء رفع الامتحان الدنيوي؟

السائل طاهرة النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 38 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أعلم أن وجودنا في هذه الدنيا بسبب موافقتنا في عالم الذر على خوض امتحان الدنيا ‏‏..لدي سؤال لو سمحتم حول ذلك - في خصم وجودنا في هذا الحياة عرفنا أن لن نستطيع إكمال ‏الامتحان وسنفشل فيه ودعونا الله عز وجل أن يعفينا من هذا الامتحان ولكن الله لم يستجب لذلك ‏هل هناك طريقة لتقديم الانسحاب من الامتحان الدنيوي خاصة إذا عرفنا أن كان مخطئين على ‏موافقتنا على خوض الامتحان؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ السؤال الذي طرحته في الحقيقة هو صوت تعبٍ داخلي يشعر أن الوجود صار حملاً، وأنّ ‏الحياة امتحانٌ لم يَعُد للإنسان فيه قدرة على المواصلة، ومثل هذا الشعور حين يشتدّ، يُخيَّل ‏لصاحبه أنّه قد أخطأ يوم وافق على خوض الحياة، وأنّ الانسحاب منها قد يكون أهون من ‏استمرارها.. غير أنّ أوّل ما ينبغي أن يتّضح هنا أنّ ما يُسمّى بعالم الذر لم يكن ساحةً عُرض ‏فيها الامتحان ثم طُلب منّا القبول أو الرفض، ولم يقع فيه تفاوض بين الإنسان وربّه، بل هو ‏تعبير عن الميثاق الفطري الذي أودعه الله سبحانه في الإنسان، وهو معرفة الربّ والتوحيد، لا التزامٌ سابقٌ بخوض بلاءٍ معيّن.‏

وحين يُفهم هذا الأمر، يتبيّن أنّ وجود الإنسان في هذه الحياة لم يكن نتيجة قرارٍ شخصيٍّ خاطئ ‏ندم عليه لاحقًا، بل كان تقديراً إلهيًا مبنيًا على علمٍ تامٍّ بحال العبد، وعلى رحمةٍ سبقت البلاء، فالله ‏سبحانه لا يضع عبدًا في موضع لا يصلح له، ولا يُنزله دارًا يعلم أنّها لا تليق باستعداده، بل ‏يُدخله الطريق الذي به يكتمل وجوده، ولهذا قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): ((إذا رأيتَ ‏ربّك يوالِي عليك البلاء فاشكره، وإذا رأيتَ ربّك يتابع عليك النعم فاحذره)) [غرر الحكم ودرر ‏الكلم، للآمدي، ص٢٨٦‏]؛ لأنّ البلاء في منطق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ليس علامة ‏غضب، بل علامة عناية، وطريق تربية لا طريق هلاك.‏

ومن هنا يتبيّن أنّ الحياة في أصلها ليست عقوبة، ولا الامتحان فيها وسيلة لإسقاط الإنسان، بل ‏هو الطريق الذي يُنضج روحه ويكشف معدنه، ولهذا المعنى عبّر الإمام الباقر (عليه السلام) ‏تعبيرًا يقطع مادّة الاعتراض حين قال: ((ما أبالي أصبحتُ فقيرًا أو مريضًا أو غنيًّا، لأنّ الله ‏يقول: لا أفعل بالمؤمن إلا ما هو خيرٌ له)) [التمحيص، للإسكافي، ص٥٧‏]. فحين يكون المآل ‏خيرًا، لا يعود للاعتراض على الطريق معنى، وإن كان الطريق متعبًا في بعض منازله. ‏

وعلى ما تقدم، لا يصحّ تصوّر أنّ للإنسان خيار (الانسحاب من الامتحان الدنيوي)؛ لأنّ الحياة ‏ليست اختبارًا يُترك فيه العبد وحده ليغرق، ولا ساحةً يُراد بها كسر، فالله سبحانه الذي خلقك هو ‏نفسه الذي تكفّل بك، وهو الذي قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهو الذي نفى ‏الظلم عن نفسه نفيًا قاطعًا بقوله سبحانه: ﵟوَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِﵞ [فصلت:46]. فكيف يُعقل بعد ‏هذا أن يُدخِل عبدًا في طريق لا طاقة له به، ثم يغلق عنه أبواب العون والهداية؟!‏

غير أنّ النفس حين يشتدّ بها الألم، تُلقي على صاحبها ظلالًا قاتمة، فيرى الفشل حتميًا، والعجز ‏صفةً ملازمة، ويظنّ أنّ طريق النجاة قد انسدّ، لكن هذا الوهم بعينه هو من آثار الابتلاء لا ‏نتيجته، وقد بيّن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الحزن ليس طارئًا على حياة المؤمن، بل ‏هو جزءٌ من مسيرته في تهذيب النفس، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((المؤمن لا ‏يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمرٌ يحزنه)) [الكافي، ج٢، ص٢٥٤‏]، لا ليُقهر به، بل ‏ليبقى قلبه حيًّا، متعلّقًا بالله سبحانه، غير مغترّ بالدنيا.‏

ومن هنا يتّضح أنّ الخطر الحقيقي ليس في بقاء الإنسان داخل الامتحان والابتلاء، بل في ‏استسلامه لفكرة الهروب منه.. فالهروب من ساحة الابتلاء ليس حلًّا، بل قطع للطريق قبل بلوغ ‏الغاية، واعتراض على حكمةٍ لم تُكشف له وجوهها بعد، وما من بليةٍ تحيط بالعبد إلا وفي ‏باطنها لطفٌ إلهيٌّ قد لا يُرى في بادئ الأمر، ولهذا قال الإمام العسكري (عليه السلام): ((ما من ‏بليةٍ إلا ولله فيها نعمةٌ تحيط بها)) [تحف العقول، لابن شعبة الحراني، ص٥٠٠‏]. فالبلاء ليس ‏خلوًّا من الرحمة، بل مَظِنّةٌ لها، ومحلّ جريانها وإن خفي وجهها.‏

والإنسان في هذا كلّه غير مطالبٍ بأن يكون قويًّا دائمًا، ولا أن يخلو من الخوف أو الحزن، بل ‏هو مطالبٌ فقط بألّا يقطع صلته بالله تبارك وتعالى، وألّا يسلّم زمام نفسه لليأس.‏

ومن يسأل هذا السؤال إنما يكشف عن قلبٍ ما زال حيًّا، يبحث عن مخرجٍ صحيح، لا عن ‏هلاك، وهذا بنفسه كاشف عن بقاء الارتباط بالله سبحانه لا عن انقطاعه؛ لأنّ من انقطع قلبه ‏عن الله سبحانه لا يسأل، ومن فقد الرجاء لا يطرق الباب.‏

لهذا فإنّ القول بأنّ الإنسان أخطأ يوم وافق على خوض الحياة، ليس توصيفًا لحقيقة الوجود، بل ‏هو ناتج عن حالةٍ نفسيةٍ قاسية، لا إلى إدانة، فالله سبحانه لم يخلقك ليتركك همَلًا، ولم يبتليك ‏ليهلكك، بل ليأخذ بيدك، ولو عبر طرقٍ متعبة، إلى ما فيه خيرك الذي لا تراه الآن.

والسؤال الحقيقي ليس: كيف أنسحب من الامتحان؟ بل: كيف أُسلِّم نفسي لله سبحانه لِيَتَوَلّى ‏أمري فيه؟ وما دام الله عزّ وجل هو المتكفّل، فلا معنى للخوف من الفشل، لأنّ الفشل الحقيقي ‏هو ترك الاعتماد والتوكل عليه، لا الضعف بين يديه.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة