
أعلم أن وجودنا في هذه الدنيا بسبب موافقتنا في عالم الذر على خوض امتحان الدنيا ..لدي سؤال لو سمحتم حول ذلك - في خصم وجودنا في هذا الحياة عرفنا أن لن نستطيع إكمال الامتحان وسنفشل فيه ودعونا الله عز وجل أن يعفينا من هذا الامتحان ولكن الله لم يستجب لذلك هل هناك طريقة لتقديم الانسحاب من الامتحان الدنيوي خاصة إذا عرفنا أن كان مخطئين على موافقتنا على خوض الامتحان؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ السؤال الذي طرحته في الحقيقة هو صوت تعبٍ داخلي يشعر أن الوجود صار حملاً، وأنّ الحياة امتحانٌ لم يَعُد للإنسان فيه قدرة على المواصلة، ومثل هذا الشعور حين يشتدّ، يُخيَّل لصاحبه أنّه قد أخطأ يوم وافق على خوض الحياة، وأنّ الانسحاب منها قد يكون أهون من استمرارها.. غير أنّ أوّل ما ينبغي أن يتّضح هنا أنّ ما يُسمّى بعالم الذر لم يكن ساحةً عُرض فيها الامتحان ثم طُلب منّا القبول أو الرفض، ولم يقع فيه تفاوض بين الإنسان وربّه، بل هو تعبير عن الميثاق الفطري الذي أودعه الله سبحانه في الإنسان، وهو معرفة الربّ والتوحيد، لا التزامٌ سابقٌ بخوض بلاءٍ معيّن.
وحين يُفهم هذا الأمر، يتبيّن أنّ وجود الإنسان في هذه الحياة لم يكن نتيجة قرارٍ شخصيٍّ خاطئ ندم عليه لاحقًا، بل كان تقديراً إلهيًا مبنيًا على علمٍ تامٍّ بحال العبد، وعلى رحمةٍ سبقت البلاء، فالله سبحانه لا يضع عبدًا في موضع لا يصلح له، ولا يُنزله دارًا يعلم أنّها لا تليق باستعداده، بل يُدخله الطريق الذي به يكتمل وجوده، ولهذا قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): ((إذا رأيتَ ربّك يوالِي عليك البلاء فاشكره، وإذا رأيتَ ربّك يتابع عليك النعم فاحذره)) [غرر الحكم ودرر الكلم، للآمدي، ص٢٨٦]؛ لأنّ البلاء في منطق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ليس علامة غضب، بل علامة عناية، وطريق تربية لا طريق هلاك.
ومن هنا يتبيّن أنّ الحياة في أصلها ليست عقوبة، ولا الامتحان فيها وسيلة لإسقاط الإنسان، بل هو الطريق الذي يُنضج روحه ويكشف معدنه، ولهذا المعنى عبّر الإمام الباقر (عليه السلام) تعبيرًا يقطع مادّة الاعتراض حين قال: ((ما أبالي أصبحتُ فقيرًا أو مريضًا أو غنيًّا، لأنّ الله يقول: لا أفعل بالمؤمن إلا ما هو خيرٌ له)) [التمحيص، للإسكافي، ص٥٧]. فحين يكون المآل خيرًا، لا يعود للاعتراض على الطريق معنى، وإن كان الطريق متعبًا في بعض منازله.
وعلى ما تقدم، لا يصحّ تصوّر أنّ للإنسان خيار (الانسحاب من الامتحان الدنيوي)؛ لأنّ الحياة ليست اختبارًا يُترك فيه العبد وحده ليغرق، ولا ساحةً يُراد بها كسر، فالله سبحانه الذي خلقك هو نفسه الذي تكفّل بك، وهو الذي قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهو الذي نفى الظلم عن نفسه نفيًا قاطعًا بقوله سبحانه: ﵟوَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِﵞ [فصلت:46]. فكيف يُعقل بعد هذا أن يُدخِل عبدًا في طريق لا طاقة له به، ثم يغلق عنه أبواب العون والهداية؟!
غير أنّ النفس حين يشتدّ بها الألم، تُلقي على صاحبها ظلالًا قاتمة، فيرى الفشل حتميًا، والعجز صفةً ملازمة، ويظنّ أنّ طريق النجاة قد انسدّ، لكن هذا الوهم بعينه هو من آثار الابتلاء لا نتيجته، وقد بيّن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الحزن ليس طارئًا على حياة المؤمن، بل هو جزءٌ من مسيرته في تهذيب النفس، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمرٌ يحزنه)) [الكافي، ج٢، ص٢٥٤]، لا ليُقهر به، بل ليبقى قلبه حيًّا، متعلّقًا بالله سبحانه، غير مغترّ بالدنيا.
ومن هنا يتّضح أنّ الخطر الحقيقي ليس في بقاء الإنسان داخل الامتحان والابتلاء، بل في استسلامه لفكرة الهروب منه.. فالهروب من ساحة الابتلاء ليس حلًّا، بل قطع للطريق قبل بلوغ الغاية، واعتراض على حكمةٍ لم تُكشف له وجوهها بعد، وما من بليةٍ تحيط بالعبد إلا وفي باطنها لطفٌ إلهيٌّ قد لا يُرى في بادئ الأمر، ولهذا قال الإمام العسكري (عليه السلام): ((ما من بليةٍ إلا ولله فيها نعمةٌ تحيط بها)) [تحف العقول، لابن شعبة الحراني، ص٥٠٠]. فالبلاء ليس خلوًّا من الرحمة، بل مَظِنّةٌ لها، ومحلّ جريانها وإن خفي وجهها.
والإنسان في هذا كلّه غير مطالبٍ بأن يكون قويًّا دائمًا، ولا أن يخلو من الخوف أو الحزن، بل هو مطالبٌ فقط بألّا يقطع صلته بالله تبارك وتعالى، وألّا يسلّم زمام نفسه لليأس.
ومن يسأل هذا السؤال إنما يكشف عن قلبٍ ما زال حيًّا، يبحث عن مخرجٍ صحيح، لا عن هلاك، وهذا بنفسه كاشف عن بقاء الارتباط بالله سبحانه لا عن انقطاعه؛ لأنّ من انقطع قلبه عن الله سبحانه لا يسأل، ومن فقد الرجاء لا يطرق الباب.
لهذا فإنّ القول بأنّ الإنسان أخطأ يوم وافق على خوض الحياة، ليس توصيفًا لحقيقة الوجود، بل هو ناتج عن حالةٍ نفسيةٍ قاسية، لا إلى إدانة، فالله سبحانه لم يخلقك ليتركك همَلًا، ولم يبتليك ليهلكك، بل ليأخذ بيدك، ولو عبر طرقٍ متعبة، إلى ما فيه خيرك الذي لا تراه الآن.
والسؤال الحقيقي ليس: كيف أنسحب من الامتحان؟ بل: كيف أُسلِّم نفسي لله سبحانه لِيَتَوَلّى أمري فيه؟ وما دام الله عزّ وجل هو المتكفّل، فلا معنى للخوف من الفشل، لأنّ الفشل الحقيقي هو ترك الاعتماد والتوكل عليه، لا الضعف بين يديه.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
