
كيف يمكن لذاتٍ واحدة أن تعلم كلّ شيء، وتقدر على كلّ شيء؟ وكيف يكون علم هذا الإله حاضرًا مع هذا الاتساع الهائل للكون، وربما مع وجود مخلوقات عاقلة أخرى؟! هذه صفات يعجز عنها كل عقل، بل يعجز عن تصديقها كل عاقل.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
في كثيرٍ من اعتراضات الملحدين يظهر ضيقُ النفس الفكري بوضوح؛ إذ لا يكون الاعتراض ثمرةَ بحثٍ هادئ، بل محاولةَ مهربٍ من السؤال الأثقل، فيُستبدل البحثُ عن أصل الوجود بالاشتباك مع تصوّرٍ مشوَّهٍ للإله. وحين يعجز الذهن عن تحمّل لوازم السؤال الحقيقي، يُصنَع إلهٌ على مقاس الوهم، ثم يُهاجَم طلبًا للخلاص.
وهذا السؤال في ظاهره يبدو معقولًا، بل هو نتيجةٌ طبيعيّة حين يُفكَّر في الإله بعقلٍ بشريٍّ صرف، ونحن نوافقك على مبدأٍ واضح، وهو أنّه لا يمكن لأيّ إنسان، ولا لأيّ كائنٍ محدود، أن يحيط بكلّ شيء علمًا وقدرةً في الوقت نفسه، ولو حمل أعظم الأسماء.
فالإنسان، مهما بلغ، محكومٌ بالحدود؛ لا يعلم إلّا بعض الأشياء، ولا يقدر إلّا على بعض الأمور، ولا يبقى إلّا مدّةً ثم يزول.
لكن موضع الخلل ليس هنا، بل في الافتراض الذي بُني عليه السؤال.
فالسائل جعل الإلهَ الخالق شبيهًا بالإنسان، ثم بدأ يقيسه بمقاييس الإنسان، وكأنّ الإله في هذا التصوّر عقلٌ كبير يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها وعينا نحن البشر، لكنّه أشمل وأوسع. ومن الطبيعي أن يبدو هذا التصوّر متناقضًا؛ لأنّ العقل البشري لا يستطيع أن يتصوّر وعيًا محدودًا يحيط بكلّ شيء في آنٍ واحد.
غير أنّ المؤمن لا يقول بهذا أصلًا.
فالله عنده ليس إنسانًا مُكبَّرًا، ولا كائنًا يشبه البشر ثم زِيد في صفاته، بل هو خالق البشر، وخالق حدودهم، وخالق عقولهم أصلًا. ومن الخطأ أن نأخذ صفات المخلوق، ثم نمدّها ونضخّمها، ونقول: هذا هو الإله.
ولو كانت صفات الخالق محدودةً كصفات الإنسان، لكان هو الآخر محتاجًا، عاجزًا، محكومًا بالزمان، وهذا يناقض كونه خالقًا.
وهنا يفرض العقل سؤالًا لا مهرب منه، وهو:
من أين جاء الإنسان؟ ومن الذي أوجده؟
وحين ننظر إلى العالم من حولنا، نجد أنّ كلّ شيءٍ فيه ناقصٌ من جهةٍ ما؛ فالكائنات تفنى، والقوى تتوقّف، والمعرفة تقف عند حدود. والإنسان، مع ما أوتي من عقل، يبقى عاجزًا عن خلق نفسه، بل عاجزًا عن خلق إنسانٍ آخر من العدم؛ فهو محتاجٌ في وجوده، محتاجٌ في بقائه، محتاجٌ في علمه وقدرته.
فالعقل السليم يحكم بأنّ الذي أوجد هذا الإنسان لا يمكن أن يكون مثله، ولا أدنى منه، بل لا بدّ أن يكون أكملَ منه وجودًا، وأتمَّ منه صفةً؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه، والعاجز لا يهب القدرة، والمحدود لا يمنح الوجود.
ومن هنا يقول المؤمن إنّ الخالق عالمٌ قدير، لا تحدّه حدود المخلوقات، ولا تلحقه صفات النقص. وهذه ليست دعوى عاطفيّة، بل حكمٌ عقلي؛ لأنّ وجود الأثر يدلّ على وجود من هو أكمل من الأثر.
أمّا الإلحاد، فإنّه في كثيرٍ من صوره يقف عند حدّ الاعتراف بوجود الأشياء، ثم يتوقّف عن السؤال الحقيقي، فيُقال: نعم، نحن موجودون، والكون موجود، لكن لا نعلم من أين جاء، بل قد يُقال: جاء من لا شيء. وهذا القول لا يصمد أمام العقل؛ لأنّ العدم لا يُنتج وجودًا، ولا يُفسّر شيئًا.
ثم يُضاف إلى ذلك خطأٌ آخر، وهو تحويل الجهل إلى دليل، فيُقال: بما أنّنا لا نعلم بوجود خالق، إذن لا خالق.
وهذا خلطٌ واضح؛ فالجهل بشيء لا ينفي وجوده، بل يعني أنّنا لم نصل إليه بعد، وكم من أمورٍ كانت موجودة ولم يكن الإنسان يعلم بها، ثم تبيّن له وجودها لاحقًا.
لكن حين يريد الملحد أن يهاجم فكرة الإله، فإنّه غالبًا يصنع صورةً مشوّهةً للإله، يجعله فيها شبيهًا بالبشر، ثم يبدأ بطرح الأسئلة عليه:
كيف يعلم؟ كيف يحيط؟ كيف لا ينشغل؟ ثم يقول: هذا مستحيل.
مع أنّ المؤمن لا يلتزم بهذه الصورة أصلًا.
فالمشكلة ليست في الإله الذي يؤمن به المؤمن، بل في الإله المتخيَّل الذي صنعه الملحد ليعترض عليه.
ولو رُفع هذا التشبيه، وسُلِّم بأنّ الخالق ليس محكومًا بحدود المخلوق، لسقط الإشكال من أساسه، وعاد السؤال إلى موضعه الصحيح، وهو:
إمّا أن يكون لهذا العالم خالقٌ أكمل من حدوده، أو يبقى بلا تفسيرٍ معقول.
وعليه، فإنّ الإلحاد في هذا المقام لا يناقش الإله الحقّ، بل يناقش صورةً ذهنيّةً صُنعت على قياس الإنسان ثم حُكم باستحالتها، فمتى سقط هذا التشبيه سقط الاعتراض، وعاد العقل إلى السؤال الجادّ عن خالقٍ أكمل من حدود المخلوق، لا عن إلهٍ موهوم.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
