مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الإله الذي افترضه الملحد ثم ناقشه

السائل مهاجر النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 55 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

كيف يمكن لذاتٍ واحدة أن تعلم كلّ شيء، وتقدر على كلّ شيء؟ وكيف يكون علم ‏هذا الإله ‏حاضرًا مع هذا الاتساع الهائل للكون، وربما مع وجود مخلوقات عاقلة أخرى؟! هذه ‏صفات ‏يعجز عنها كل عقل، بل يعجز عن تصديقها كل عاقل.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة ‏الأنام.‏

في كثيرٍ من اعتراضات الملحدين يظهر ضيقُ النفس الفكري بوضوح؛ إذ لا يكون الاعتراض ‏ثمرةَ بحثٍ هادئ، بل محاولةَ مهربٍ من السؤال الأثقل، فيُستبدل البحثُ عن أصل الوجود ‏بالاشتباك مع تصوّرٍ مشوَّهٍ للإله. وحين يعجز الذهن عن تحمّل لوازم السؤال الحقيقي، يُصنَع ‏إلهٌ على مقاس الوهم، ثم يُهاجَم طلبًا للخلاص.‏

وهذا السؤال في ظاهره يبدو معقولًا، بل هو نتيجةٌ طبيعيّة حين يُفكَّر في الإله بعقلٍ بشريٍّ ‏صرف، ونحن نوافقك على مبدأٍ واضح، وهو أنّه لا يمكن لأيّ إنسان، ولا لأيّ كائنٍ محدود، أن ‏يحيط بكلّ شيء علمًا وقدرةً في الوقت نفسه، ولو حمل أعظم الأسماء.‏

فالإنسان، مهما بلغ، محكومٌ بالحدود؛ لا يعلم إلّا بعض الأشياء، ولا يقدر إلّا على بعض الأمور، ‏ولا يبقى إلّا مدّةً ثم يزول.‏

لكن موضع الخلل ليس هنا، بل في الافتراض الذي بُني عليه السؤال.‏

فالسائل جعل الإلهَ الخالق شبيهًا بالإنسان، ثم بدأ يقيسه بمقاييس الإنسان، وكأنّ الإله في هذا ‏التصوّر عقلٌ كبير يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها وعينا نحن البشر، لكنّه أشمل وأوسع. ومن ‏الطبيعي أن يبدو هذا التصوّر متناقضًا؛ لأنّ العقل البشري لا يستطيع أن يتصوّر وعيًا محدودًا ‏يحيط بكلّ شيء في آنٍ واحد.‏

غير أنّ المؤمن لا يقول بهذا أصلًا.‏

فالله عنده ليس إنسانًا مُكبَّرًا، ولا كائنًا يشبه البشر ثم زِيد في صفاته، بل هو خالق البشر، ‏وخالق حدودهم، وخالق عقولهم أصلًا. ومن الخطأ أن نأخذ صفات المخلوق، ثم نمدّها ‏ونضخّمها، ونقول: هذا هو الإله.‏

ولو كانت صفات الخالق محدودةً كصفات الإنسان، لكان هو الآخر محتاجًا، عاجزًا، محكومًا ‏بالزمان، وهذا يناقض كونه خالقًا.‏

وهنا يفرض العقل سؤالًا لا مهرب منه، وهو:

من أين جاء الإنسان؟ ومن الذي أوجده؟

وحين ننظر إلى العالم من حولنا، نجد أنّ كلّ شيءٍ فيه ناقصٌ من جهةٍ ما؛ فالكائنات تفنى، ‏والقوى تتوقّف، والمعرفة تقف عند حدود. والإنسان، مع ما أوتي من عقل، يبقى عاجزًا عن ‏خلق نفسه، بل عاجزًا عن خلق إنسانٍ آخر من العدم؛ فهو محتاجٌ في وجوده، محتاجٌ في بقائه، ‏محتاجٌ في علمه وقدرته.‏

فالعقل السليم يحكم بأنّ الذي أوجد هذا الإنسان لا يمكن أن يكون مثله، ولا أدنى منه، بل لا بدّ ‏أن يكون أكملَ منه وجودًا، وأتمَّ منه صفةً؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه، والعاجز لا يهب القدرة، ‏والمحدود لا يمنح الوجود.‏

ومن هنا يقول المؤمن إنّ الخالق عالمٌ قدير، لا تحدّه حدود المخلوقات، ولا تلحقه صفات ‏النقص. وهذه ليست دعوى عاطفيّة، بل حكمٌ عقلي؛ لأنّ وجود الأثر يدلّ على وجود من هو ‏أكمل من الأثر.‏

أمّا الإلحاد، فإنّه في كثيرٍ من صوره يقف عند حدّ الاعتراف بوجود الأشياء، ثم يتوقّف عن ‏السؤال الحقيقي، فيُقال: نعم، نحن موجودون، والكون موجود، لكن لا نعلم من أين جاء، بل قد ‏يُقال: جاء من لا شيء. وهذا القول لا يصمد أمام العقل؛ لأنّ العدم لا يُنتج وجودًا، ولا يُفسّر ‏شيئًا.‏

ثم يُضاف إلى ذلك خطأٌ آخر، وهو تحويل الجهل إلى دليل، فيُقال: بما أنّنا لا نعلم بوجود خالق، ‏إذن لا خالق.

وهذا خلطٌ واضح؛ فالجهل بشيء لا ينفي وجوده، بل يعني أنّنا لم نصل إليه بعد، ‏وكم من أمورٍ كانت موجودة ولم يكن الإنسان يعلم بها، ثم تبيّن له وجودها لاحقًا.‏

لكن حين يريد الملحد أن يهاجم فكرة الإله، فإنّه غالبًا يصنع صورةً مشوّهةً للإله، يجعله فيها ‏شبيهًا بالبشر، ثم يبدأ بطرح الأسئلة عليه:

كيف يعلم؟ كيف يحيط؟ كيف لا ينشغل؟ ثم يقول: ‏هذا مستحيل.‏

مع أنّ المؤمن لا يلتزم بهذه الصورة أصلًا.‏

فالمشكلة ليست في الإله الذي يؤمن به المؤمن، بل في الإله المتخيَّل الذي صنعه الملحد ‏ليعترض عليه.‏

ولو رُفع هذا التشبيه، وسُلِّم بأنّ الخالق ليس محكومًا بحدود المخلوق، لسقط الإشكال من أساسه، ‏وعاد السؤال إلى موضعه الصحيح، وهو:

إمّا أن يكون لهذا العالم خالقٌ أكمل من حدوده، أو ‏يبقى بلا تفسيرٍ معقول.‏

وعليه، فإنّ الإلحاد في هذا المقام لا يناقش الإله الحقّ، بل يناقش صورةً ذهنيّةً صُنعت على ‏قياس الإنسان ثم حُكم باستحالتها، فمتى سقط هذا التشبيه سقط الاعتراض، وعاد العقل إلى ‏السؤال الجادّ عن خالقٍ أكمل من حدود المخلوق، لا عن إلهٍ موهوم.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين ‏المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة