مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لِمَ الاعتقادُ بالإله ضرورةٌ عقليّة؟

السائل طالب علم النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 144 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم.. ‏‏ما الضرورة وما الباعث على ‏الاعتقاد، ولو سلَّم الإنسان أنّ هناك إلهًا فما ضرورة أنْ يعتقد بالإله ؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

أقول: بعد الفراغِ عن ثبوتِ وجودِ إلهٍ، يكون الكلامُ في لزومِ الاعتقادِ به لا في أصلِ الثبوت، ‏والاعتقادُ هنا جَزمٌ وتصديقٌ ثابتانِ يُرتَّبُ عليهما الأثر، ومن ثَمَّ فالضرورةُ إليه ضرورةٌ عقليّة؛ ‏لأنّ العقلَ يحكمُ بقُبحِ نقضِ المعلومِ وعدمِ ترتيبِ الأثرِ على العلم.‏

فالجمعُ بين الإقرارِ بوجودِ إلهٍ وبين التصرّفِ كأنّ هذه الحقيقةَ لا شأنَ لها، تناقُضٌ؛ إذ هو جمعٌ ‏بين الملزومِ ونفيِ لوازمه.‏

توضيح ذلك:‏

إذا اعترفتَ بوجودِ إلهٍ، فمعناه ـ ببساطةٍ ـ أنّه المُنعِمُ عليكَ بالحياةِ، وصاحبُ الأمرِ والنهي، ‏والعقلُ يقول: مَن عرفَ صاحبَ النِّعمةِ وصاحبَ الأمرِ لزِمه إيمانٌ جازمٌ به، وامتثالُ ما يقتضيه ‏ذلك في القولِ والعمل.. أمّا أنْ تعترفَ بوجودِ إلهٍ ثم تعيشَ، وكأنْ لا أحدَ فوقك، فهذا تناقضٌ؛ ‏كمَن يُسلِّمُ بوجودِ قانونِ المرورِ ثم يقطعُ الإشارةَ الحمراء؛ فذلك علمٌ بلا أثر.‏

والاعتقادُ هنا هو تصديقٌ ثابتٌ يدفعُك إلى العملِ على وفقِه؛ أي أنْ تؤمنَ به إيمانًا يوجبُ امتثالَ ‏أوامرِه والانتهاءَ عن نواهيه، أمّا مجرّدُ الاعترافِ بوجودِ إلهٍ من غير أنْ يُغيِّرَ شيئًا في نظركَ ‏وسلوكِك، فهذا علمٌ مُعطَّلٌ لا يقرّه العقل.‏

ودونكَ هذا المثالَ لتقريبِ المعنى: إنّ مَن أقرَّ بخطرِ التيّارِ الكهربائيِّ ثم عبثَ بالأسلاكِ ‏المكشوفةِ لا يُعَدُّ عاقلًا؛ لأنّه لم يُرتِّبْ أثرَ علمِه على سلوكِه.. وكذلك مَن يعترفُ بوجودِ إلهٍ ثم ‏يعيشُ فكريًّا وعمليًّا كأنْ لا خالقَ يُنعم ولا آمرَ يُطاع؛ فهذا تصرُّفٌ عبثيٌّ يُخالف ما سلَّم به في ‏مقامِ النظر.‏

وأمّا الباعثُ على الاعتقاد فبيانُه أنّه دفعُ التناقض وحفظُ العقل؛ لأنّ الاعتقادَ هو اللازمُ الأقربُ ‏للعلمِ بوجودِ إلهٍ، ومن دونه تبقى النتيجةُ النظريّةُ مُعلَّقةً، لا أصلَ لها في توجيهِ المعرفةِ ‏والاختيار. ومن هنا كان الاعتقادُ ضرورةً؛ إذ به يخرجُ الذهنُ من مجرّد التصديقِ إلى الالتزام، ‏وتنتقلُ القضيّةُ من خبرٍ معلومٍ إلى قاعدةٍ يُحتكمُ إليها في القولِ والعمل.‏

وعليه، فمَن سلَّم بأنّ هناك إلهًا فقد ألزمَ نفسَه ـ عقلًا ـ الاعتقادَ به؛ لأنّ التسليمَ بوجودِ إلهٍ مع ‏التخلّي عن الاعتقادِ به وترتيبِ أثرِه في السلوك، جمعٌ بين الشيءِ ونقيضِه.‏

والنتيجة أنّ الاعتقادَ باللهِ سبحانه ضرورةٌ عقليّةٌ بعد الإقرارِ بوجودِه، وباعثُه لزومُ ترتيبِ الأثرِ ‏على المعلومِ ودفعُ التناقض؛ ومَن خالفَ ذلك ناقضَ عقلَه قبل أنْ يُخالِفَ غيرَه.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة