
السلام عليكم.. ما الضرورة وما الباعث على الاعتقاد، ولو سلَّم الإنسان أنّ هناك إلهًا فما ضرورة أنْ يعتقد بالإله ؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
أقول: بعد الفراغِ عن ثبوتِ وجودِ إلهٍ، يكون الكلامُ في لزومِ الاعتقادِ به لا في أصلِ الثبوت، والاعتقادُ هنا جَزمٌ وتصديقٌ ثابتانِ يُرتَّبُ عليهما الأثر، ومن ثَمَّ فالضرورةُ إليه ضرورةٌ عقليّة؛ لأنّ العقلَ يحكمُ بقُبحِ نقضِ المعلومِ وعدمِ ترتيبِ الأثرِ على العلم.
فالجمعُ بين الإقرارِ بوجودِ إلهٍ وبين التصرّفِ كأنّ هذه الحقيقةَ لا شأنَ لها، تناقُضٌ؛ إذ هو جمعٌ بين الملزومِ ونفيِ لوازمه.
توضيح ذلك:
إذا اعترفتَ بوجودِ إلهٍ، فمعناه ـ ببساطةٍ ـ أنّه المُنعِمُ عليكَ بالحياةِ، وصاحبُ الأمرِ والنهي، والعقلُ يقول: مَن عرفَ صاحبَ النِّعمةِ وصاحبَ الأمرِ لزِمه إيمانٌ جازمٌ به، وامتثالُ ما يقتضيه ذلك في القولِ والعمل.. أمّا أنْ تعترفَ بوجودِ إلهٍ ثم تعيشَ، وكأنْ لا أحدَ فوقك، فهذا تناقضٌ؛ كمَن يُسلِّمُ بوجودِ قانونِ المرورِ ثم يقطعُ الإشارةَ الحمراء؛ فذلك علمٌ بلا أثر.
والاعتقادُ هنا هو تصديقٌ ثابتٌ يدفعُك إلى العملِ على وفقِه؛ أي أنْ تؤمنَ به إيمانًا يوجبُ امتثالَ أوامرِه والانتهاءَ عن نواهيه، أمّا مجرّدُ الاعترافِ بوجودِ إلهٍ من غير أنْ يُغيِّرَ شيئًا في نظركَ وسلوكِك، فهذا علمٌ مُعطَّلٌ لا يقرّه العقل.
ودونكَ هذا المثالَ لتقريبِ المعنى: إنّ مَن أقرَّ بخطرِ التيّارِ الكهربائيِّ ثم عبثَ بالأسلاكِ المكشوفةِ لا يُعَدُّ عاقلًا؛ لأنّه لم يُرتِّبْ أثرَ علمِه على سلوكِه.. وكذلك مَن يعترفُ بوجودِ إلهٍ ثم يعيشُ فكريًّا وعمليًّا كأنْ لا خالقَ يُنعم ولا آمرَ يُطاع؛ فهذا تصرُّفٌ عبثيٌّ يُخالف ما سلَّم به في مقامِ النظر.
وأمّا الباعثُ على الاعتقاد فبيانُه أنّه دفعُ التناقض وحفظُ العقل؛ لأنّ الاعتقادَ هو اللازمُ الأقربُ للعلمِ بوجودِ إلهٍ، ومن دونه تبقى النتيجةُ النظريّةُ مُعلَّقةً، لا أصلَ لها في توجيهِ المعرفةِ والاختيار. ومن هنا كان الاعتقادُ ضرورةً؛ إذ به يخرجُ الذهنُ من مجرّد التصديقِ إلى الالتزام، وتنتقلُ القضيّةُ من خبرٍ معلومٍ إلى قاعدةٍ يُحتكمُ إليها في القولِ والعمل.
وعليه، فمَن سلَّم بأنّ هناك إلهًا فقد ألزمَ نفسَه ـ عقلًا ـ الاعتقادَ به؛ لأنّ التسليمَ بوجودِ إلهٍ مع التخلّي عن الاعتقادِ به وترتيبِ أثرِه في السلوك، جمعٌ بين الشيءِ ونقيضِه.
والنتيجة أنّ الاعتقادَ باللهِ سبحانه ضرورةٌ عقليّةٌ بعد الإقرارِ بوجودِه، وباعثُه لزومُ ترتيبِ الأثرِ على المعلومِ ودفعُ التناقض؛ ومَن خالفَ ذلك ناقضَ عقلَه قبل أنْ يُخالِفَ غيرَه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
