مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الديانة الإبراهيمية الجديدة الدوافع والأهداف

السائل محمد صفوان النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 464 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

تعليقكم على موضوعة الدين الابراهيمي الجيد وما هي دوافع المروجين لهذه الفكرة وما هي منطلقاتها والى ماذا تهدف وشكرا لكم.

الجواب

الأخ محمد المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أولاً: الإبراهيمية الجديدة وجهاً من وجوه الصراع الثقافي بين الحق والباطل.

الإبراهيمية الجديدة ليست إلا وجهاً من وجوه الصراع الثقافي بين الحق والباطل، حيث لا تعدوا أن تكون محاولة لإسكات صوت السماء من خلال احتكاره أولاً ومن ثم إعادة ضبطه على النغمة التي تطربهم، فما يروج له اليوم باسم الدين الإبراهيمي لا يستهدف إلا الإسلام بوصفه المنافس الحقيقي لكل المشاريع الارضية، فالقرآن بما فيه من حِكم وأحكام يمثل الضمير الأخلاقي الرادع لمطامع الطاغوت كما يمثل الرؤية الحضارية المهددة لمشاريع كهنة السياسية وارباب الاقتصاد العالمي، فبعد ان فشلت الخطط الرامية إلى جعل العالم ملحداً وخالياً من الأديان، عمدوا على إزاحة الأديان وتهميشها عن المشهد السياسي والاجتماعي من خلال العلمنة وسلطة الإنسان بعيداً عن سلطة الله، وقد نجحوا في ذلك بنسبة كبيرة إلا أن الإسلام مازال متحدياً كل الجهود الرامية لأبعاده عن الساحة الحياتية للإنسان، فكان مشروع الدبلوماسية الروحية الذي يعمل على تكوين دين جديد يسهل ترويضه بما يخدم الهيمنة والاستكبار العالمي.

ثانياً: الإبراهيمية خطة سياسية تستهدف بسط الهيمنة في ثوب ديني روحاني.

إن الابراهيمية وإن كانت مطروحة كدين إلا أنها في الحقيقة ليست إلا خطة سياسية تستهدف بسط الهيمنة في ثوب ديني روحاني، وهنا تكمن خطورة هذا المشروع، حيث بدأت هذه الخطة بتسليط وسائل الأعلام على احداث الفوضى والحروب في منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم تحميل الدين مسؤولية كل هذه الفوضى، الأمر الذي يجعل النفوس مستعدة لقبول تفسير أخر للدين يخلصهم من أسباب التوتر والاختلاف، فكان العمل على استحداث ديانة تستوعب اهل الكتاب جميعاً تحت مسمى واحد وضمن تصور ديني مشترك، وتقوم هذه الديانة على التسامح وقبول الاخر ورفض كل المبادي التي قد تؤدي إلى توتير الأجواء حتى لو كانت أحكام واجبة كالجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الواضح أن المقصود هو التسامح الساذج القائم على السلبية والابتعاد عن المسؤولية، فالدين الذي لا يحمل أي مشروع سياسي أو اجتماعي ولا يرى في نفسه الممثل للحق لابد أن يكون متسامحاً؛ لأنه لا يجد في نفسه الثقة ليكون منافساً للأخر، هذا إذا كان هناك مبرراً لوجوده من الأساس.

وقد اختير اسم الابراهيمية نسبة لنبي الله إبراهيم الذي يتفق على قداسته أهل الكتاب جميعهم، ومصدر (الديانة الإبراهيمية الجديدة) هو مراكز بحثية ضخمة وغامضة ومنتشرة في ربوع العالم، حيث تحظى بتمويل أهم الجهات العالمية مثل الإتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة الأميركية.

ثالثاً: الإبراهيمية تقتضي الاعتراف بدين واحد تنصهر فيه الديانات الثلاثة.

ولتصبح هذه الديانة واقعاً مقبولاً لابد من تقديم مبررات معرفية ودينية، فظهرت منهجيات تعمل على نسبية الحقيقة، وإن الأديان الثلاثة كلها تعود إلى حقيقة واحدة ولكن بنسب مختلفة ولا وجود لدين يمكنه احتكار الحقيقية الدينية لنفسه، وهكذا تصبح هذه الديانات بما بينها من اختلافات ليست إلا مظهراً لحقيقة واحدة، وعلى هذا النحو بدأت الدعوة إلى الدين الشامل لجميع الأديان من خلال تجريد كل ديانة عن خصوصياتها وحدودها ومن ثم صهر الجميع في بوتقة واحدة، ولا يكون ذلك من خلال اعتراف كل دين بالدين الاخر وإنما من خلال الاعتراف بدين واحد تنصهر فيه الديانات الثلاثة، ويعتقد أصحاب هذا المخطط أن حوار الأديان الذي بدأ كآلية للتقريب بين الأديان، اثاره محدودة لكونه يتحرك فقط في إطار النخب، بينما المطلوب أن تتحول هذه الديانة الجديدة إلى خيار عام للشعوب، ومن هنا كان المقترح تقديم خدمات تنموية للاقتراب أكثر من عامة الناس والتأثير فيهم بمبادي الدين الواحد، فبعد الاتفاق على قيم مشتركة بين الأديان الثلاثة تقوم المراكز المروّجة للدين الجديد بتقديم خدمات مباشرة للشعوب، كحملات الإغاثة ومكافحة الأوبية ومخيمات اللاجئين بحيث تصبح الدبلوماسية الروحية أكثر التصاقاً بالمواطنين.

ولقد بدأت بالفعل (مراكز الدبلوماسية الروحية) في تنفيذ مخططاتها على نطاق واسع، حيث قامت تلك المراكز بتوزيع الكتب والنشرات الثقافية، وتأسيس المدارس الدولية (الإنترناشيونال)، التي تستبدل تدريس مادة الدين بالقيم التي تؤكد عليها الديانة الابراهيمية، والغرض من ذلك إعداد أجيال تُقبل على اعتناق الديانة الإبراهيمية الجديدة عند طرحها في المستقبل القريب على أنها الدين العام العالمي.

ورفضنا لهذا الطرح لا يعني أننا نرفض قيم التسامح والتعايش وقبول الاخر لكونها من القيم الحقيقية التي يدعو لها الإسلام، وإنما نرفض التسامح والتعايش القائم على تدجين الشعوب وجعلهم مجرد أدوات طائعة في يد الاستكبار العالمي، فعندما ينزع الدين الجديد كل عوامل القوة من هويتنا الثقافية لن نتحول إلى أمة متسامحة وإنما سوف نكون أمة ساذجة تابعة لكل ما يملأ عليها. كما أننا لا نسلم أن الإسلام هو سبب الازمات في المنطقة وإنما سببها الأساسي هو التدخل الاستعماري طمعاً في خيرات المنطقة، وكل ما هو موجود من فتن وحروب وكل ما هو موجود من تطرف إسلامي تقف خلفه ايادي استخبارية الهدف منها جعل الناس تنفر من دينها، ومع الأسف قد بدأت بعض ملامح نجاح هذا المشروع في بعض الأصوات من داخل الوسط الإسلامي بمسؤولية هذه الازمات.  

وعليه فان ايماننا بنبي الله إبراهيم عليه السلام، يدعونا للتمسك أكثر بالإسلام لا للتخلي عنه، قال تعالى: ﵟمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَﵞ كما أن ايماننا بالنبي إبراهيم عليه السلام، يبعدنا عن ما عليه اليهود والنصارى، قال تعالى: ﵟوَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَﵞ (البقرة: 135).

ودمتم سالمين

مسائل ذات صلة