مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

أخطاء في سؤالِ «مَن خلق اللهَ»

السائل أبو ياسر آل فرج الله النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 203 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم، أرجو منكم أن تبيِّنوا لي الإشكال والأخطاء في سؤال الملحدين، وهو: (مَن خلق اللهَ؟) حيث إنني وجدت ردودًا كثيرة على هذا السؤال في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنْ لم تكن تبيَّن فيها أخطاء هذا السؤال، فهل هو مخالفٌ للعلم والعقل والمنطق، أو لا، هو سؤال يمكن طرحه من ناحية علميّة؟ أرجو من حضراتكم بيانَها إن أمكنكم ذلك، وشكرًا لكم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

هذا السؤال في الواقع يساوي سؤالًا آخر هو: ما بدايةُ الشيء الذي لا بِداية له؟ ويساوي سؤالًا ثالثًا هو: ما بداية الشيء الذي لا بدايةَ له؟ ويساوي سؤالًا رابعًا هو: من الذي سبق الشيء الذي لا يسبقه شيء؟

فهذا السؤال (مَن خلق اللهَ؟) وجميع الأسئلة السابقة المساوية له، هي في غاية السخف والفساد، لاستحالة السؤال بذلك وعدم منطقيَّتها.

ولبيان عدم منطقيّة هذا السؤال نفترض افتراضًا واقعيًّا، وهو أنك إذا دخلت إلى مكتبك، ووجدت كتابًا موضوعًا على الطاولة، وفي الوقت نفسه وجدت رجلًا جالسًا على كرسيٍّ، وبعد أن ألقيتَ نظرةً على الكتاب والرجل، خرجت، ثم عدت مرة أخرى إلى المكتب، ولكنك وجدت أن الكتاب الذي كان على الطاولة قد انتقل إلى الدُّرج، وأن الرجل الذي كان جالسًا على الكرسي قد انتقل إلى كرسيٍّ آخر.

فهنا يمكنك السؤال عن الكتاب بـ (من نقل الكتاب من الطاولة إلى الدُّرج؟) وهو سؤالٌ منطقي وواقعي، في حين لا يصح منك السؤال بـ (من نقل الرجلَ من الكرسيِّ إلى الكرسيِّ الآخر) لأنه سؤال سخيف ومثير للسخرية؛ إذ من البدهيِّ أن الرجل له إرادة وشعور، ويمتلك طاقةً تمكِّنه من التحرُّك والتنقُّل من مكانٍ إلى آخر، بل يستحيل أن يصدر مثل هذا السؤال من عاقلٍ مدرك، وأما الكتاب فمجردٌ من هذه الأمور – الإرادة والشعور والطاقة - وعقْلُ العاقل يدرك تمامًا أنه لم ينتقل الكتاب أو يتحرّك من تلقاء نفسه قطعًا، فسؤال السائل عمّن نقله وحرّكه منطقيٌّ وواقعي، بخلاف ما لو سألت عن الرجل: مَن الذي حرَّكه، ونقله من مكانه إلى مكانٍ آخر؟

والسؤال (من خلق الله؟) يبيِّن لنا أنّ العقل البشريَّ قد بلغ بظنِّه من القدرة بحيث يكون إلهًا!! والحال أن هذا العقل وبكل ما أوتي من وسائل ومعارف حديثة لا يزال عاجزًا عن تفسير أشياء كثيرة تحدث من حوله في عالم المادّيات، وعلى رغم كل وسائله ومعارفه المستحدَثة، فلا يزال الكون مجهولًا لديه، ونجده بين الفينة والأخرى يطوِّر ويصحِّح معلوماته مع كل كشف جديد، فكيف بهذا العقل البدائيِّ العاجز عن كشف أسرار الموجودات من حوله أن يُخضِع خالقه وخالق جميع معارفه لأدواته البدائية هذه؟!

فالمنطق لا يقبل أن يكون الطفل الذي يحبو، ويستطلع الأشياء من حوله قادرًا على فهْم ما يفهمه الرجل البالغ المجرِّب!

وغير هذا وذاك فإن السؤال (من خلق الله؟) يستلزم التسلسل، أي أننا لو قلنا: بأنّ خالق الكون له مَن خلَقه، ومَن خلق خالق الكون له مَن خلَقه، ومَن خلَق خالقَ خالقِ الكون له من خلقه، وهكذا إلى ما لا نهاية، فهذا التسلسل يستلزم أنْ لا خالق للكون، وهو باطل قطعاً؛ لوجود الكون، ووجود الكون يستلزم عدم تسلسل الخالقِين إلى ما لا نهاية، فلا بدَّ ـ والحال هذه ـ أن نصل إلى نهايةٍ، والنهاية هي الله سبحانه.

وتقريب مسألة بطلان التسلسل تتضح بالمثال الآتي:

في النظام العسكري توجد مراتب في القيادة، فالجندي لا يُطلِق رصاصةً إلا بعد أمر القائد له، فإذا افترضنا أنّ سلسلة المراتب في النظام العسكري لا نهاية لها، فالجنديّ – على هذا الفرض - حتى يطلق الرصاصة على العدو فلا بد له من تلقّي الأمر ممن هو أعلى منه رتبةً، ومن هو أعلى رتبةً من الجندي لا بد أنْ يتلقى الأمر ممن هو أعلى منه رتبة، وهكذا إلى ما لا نهاية.. فهل سيُطلق الجنديُّ رصاصته في صدر عدوِّه والحال هذه؟!

لم ولن يطلق هذا الجندي الرصاصة في هذه الحالة؛ لأنه لن يصل إلى أعلى رتبة من المراتب العسكرية التي تعطيه الإذن والأمر بإطلاق الرصاصة.

وبذلك يثبت أنه لا بد من انتهاء السلسلة إلى شخصٍ لا يوجد فوقه أحدٌ ليعطيه الإذن والأمر بالإطلاق، فتنطلق الرصاصة.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة