مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل خلق اللهُ الشرّ والظلم لإظهار الخير؟

السائل حسين النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 338 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

هل ماهيّة الظّلم في الموجودات نفسها؟ وهل يُعدُّ من الشّر ومن السُّنن الكونيّة لكون الضّدّ يُظهر جمالَه الضّدُّ؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

اعلم أنّ الظلم بما هو ظلمٌ، ليس من سِنخ الوجود التامّ، ولا هو أمرٌ إيجابيٌّ في ذاته حتى يكون داخلًا في ماهيّات الأشياء، بل التحقيق أنّ الظلم نقصٌ وعدمٌ بالإضافة إلى الكمال المطلوب، وهو خللٌ واضطرابٌ في النظام، ناشئٌ عن فقدان حقٍّ، أو تعدٍّ عليه، أو وضع الشيء في غير موضعه.

وليس في الموجودات ماهيّة تتقوَّم بالظلم، بل جميعُها مفطورةٌ على مقتضى الكمال والنظام، وما يعرض فيها من ظلمٍ فإنما هو عارضٌ خارجيٌّ ناشئٌ عن قصورٍ أو تقصيرٍ، لا أمرٌ ذاتيٌّ أصيلٌ، كما أنّ المرض ليس وجودًا إضافيًّا على الجسم، بل هو اختلالٌ في نظام الجسد، فكذلك الظلم ليس وجودًا حقيقيًّا مستقلًّا، بل هو فسادٌ في نظام إعطاء الحقوق ووضع الأشياء في مواضعها.

وأمّا ما قيل مِن أنّ الظلم جُعِل ليُظِهر حسن العدل، فالحقّ أنّ الظلم ـ بما هو ظلمٌ ـ مبغوضٌ شرعًا وعقلًا، ولا يُراد لذاته من قِبل الحكيم سبحانه، بل قد تقع بعض مظاهره عرَضًا ضمن نظام الابتلاء والامتحان، لتمييز الصالحين من الطّالحين، وإظهار كمال العدل، كما يُعرف صفاء الذهب بظهور شوائب المعدن، ولولا الشوائب لما ظهر قدر النقاء، فكذلك يُعرف جمال العدل بوجود موارد الظلم.

فالظلم ليس محبوبًا لذاته، ولا مأمورًا به، بل هو جزءٌ من نظام الابتلاء والتمحيص، كما قال تعالى: ﵟوَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةًﵞ [الأنبياء:٣٥]، فدلّ على أنّ الشرّ ـ ومنه الظلم ـ داخلٌ في نظام الامتحان، لا أنّه محبوبٌ أو مقصودٌ لذاته.

وقد يعترض معترضٌ، فيقول: كيف يكون الظلم عدمًا، مع أنّ له آثارًا وجوديّةً محسوسة كالقتل والغصب والدمار؟

الجواب: أنّ العبرة في تمييز الوجود من العدم ليست بملاحظة مجرَّد ترتُّب الآثار، بل بملاحظة ذات الحقيقة.

فالظلم باعتبار ذاته إخلالٌ واضطرابٌ لا كمالٌ وجوديّ، وإنْ ترتبت عليه أفعالٌ وجوديّة بفعل الفاعل، تمامًا كالمرض الذي ـ مع إحساسنا بآثاره ـ هو نقصانٌ في نظام الصحّة لا وجودٌ بسيط مستقلّ.

وقد يُعترض أيضًا: أ ليس المؤثِّر يُعرَف بآثاره؟ فإذا وُجِد أثر الظلم دلّ على أنّ الظلم وجودٌ؟

وجوابه: أنّ هذا توهّمٌ نشأ من عدم التمييز بين إثبات وجود العلّة التامّة وتمييز حقيقة الماهية، فإنّ العلة التامّة وجودٌ أصيلٌ مستقلٌّ، تفيض الآثار من ذاتها، ويُعرَف وجودها بآثارها. أما الظلم، فليس من سِنخ العِلل التامّة، ولا من سِنخ الموجودات الأصيلة، بل هو نقصٌ واختلالٌ في مقام النظام، فوجود بعض التصرُّفات والآثار الوجوديّة لا يحوِّل ماهيَّته إلى وجودٍ تامّ، بل تبقى حقيقتُه نقصًا واضطرابًا.. وعلى هذا الأساس، كانت الظُّلمة ـ مع إحساسنا بها ـ عدمًا للنور، لا وجودًا حقيقيًّا، مع ظهور أثرها في غياب الإضاءة.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى اللهُ، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة