
القرآن يقول: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}، فيُفهم منه أنّ الله هو المتفرِّد بهبة الذكور والإناث، لكنّ الواقع اليوم أنّ الإنسان قد توصّل بعِلمه إلى تحديد جنس الجنين واختياره مسبقًا، عبر وسائل طبِّية دقيقة، كفرز الحيوانات المنويّة أو التلقيح الصناعيّ. فكيف يقال بعد ذلك: إنّ الله هو الواهب؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ مورد الآية المباركة ليس في نفي الوسائط ولا في إبطال السُّنن التكوينيّة، وإنّما هو في ردّ الأمر إلى مَن له الخلق والأمر، ونفي الاستقلال عن كلّ ما سواه، فالهبة لا تُنسب على وجه الحقيقة إلّا إلى الله عزّ وجلّ، وكلّ سببٍ يقع في طريق هذه الهبة إنما هو مخلوقٌ له، واقعٌ تحت تدبيره، لا يخرج عن سلطانه، ولا يملك بذاته إيجادًا ولا إعدامًا.
والتقنيّات التي يزعم المعترِض أنّها أبطلتْ مدلول الآية ليستْ إلّا تصرُّفًا في بعض الأسباب التي أذِن الله سبحانه في الانتفاع بها، وهي أسبابٌ مربوطة بعشرات الشروط والموانع الخارجة عن قدرة البشر، ومتى شاء الخالق عزّ وجل أبطل أثرها أو غيّر نتيجتَها.
ولتقريب المعنى، نعرض عليك جملةَ أسئلةٍ، جوابها عند كلّ عاقلٍ معروفٍ، فإذا أجبتَ عنها تبيّن لك وجهُ الحقِّ في مدلول الآية:
لو قلنا لك: العلماء الذين تحتجّ بأقوالهم لم يُوجِدوا الحيوان المنويّ ولا البُويضة ولا الشيفرة الوراثيّة التي تحمل صفات الجنين، بل وجدوها مخلوقةً قبلهم، وليس لهم إلّا أنْ ينتقوا منها ما يشاؤون.
لقُلتَ ـ كما يقول كلّ عاقلٍ ـ: نعم، هم لم يخلقوها، وإنّما يتعاملون مع ما هو موجودٌ.
فنقول: إذا سلّمتَ بهذا، فقد اعترفتَ أنّ أصل المادّة التي يتكوّن منها الجنين ليست من البشر، بل من خالقها، فهو أوّل الواهبين.
ولو قلنا لك: العلماءُ الذين تعتمد عليهم لا يملكون ضمان النتيجة على وجه القطع، بحيث لا تتخلّف عن إرادتهم، ولا يأتي الحملُ بخلاف ما أرادوا، ولا يسقط الجنين، ولا يطرأ عليه تبدّل.
لقُلتَ: نعم، قد تفشل العمليّة أو تأتي النتيجة على غير المراد.
فنقول: إذن القرار النهائيّ ليس بأيديهم، بل بيد مَن يستطيع أنْ يُحدث التغيُّر متى شاء، فهو الواهب بالحقيقة، وأما هم فمباشرون لسببٍ مأذونٍ به.
ولو قلْنا لك: العلماءُ الذين تستند إليهم لم يضعوا قانون التلقيح، ولم يجعلوا للحيوان المنويّ مسيره إلى البويضة، ولم يودِعوا فيه الشيفرة التي تحدّد الذكر أو الأنثى، بل وجدوا ذلك سنّةً ماضيةً قبلهم.
لقُلتَ: نعم، وجدوه موضوعًا قبلهم.
فنقول: إذن واضعُ القانون هو المالك لآثاره، ومَن أوجد السبب فهو موجِدُ المسبَّب، وأما هؤلاء فتابعون له لا مستقلّون عنه.
وإنْ قلت: أ ليس اللهُ تعالى يقول: ﵟوَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِﵞ [لقمان: 34]؟! فكيف تقولون: إنّ الله يختصّ بهذا العلم، بينما العلماء الذين احتجّ بهم قد توصّلوا إلى معرفة جنس الجنين، وعرفوا ما في الرحم أ ذكرٌ هو أم أنثى؟!
قلنا لك: هل يستطيع هؤلاء العلماء أنْ يحيطوا علمًا ليس بجنس الجنين فحسب، بل وبسائر أوصافه، قبل أنْ تُخلق النطفة أصلًا؟
لقُلتَ: لا يستطيعون.
فنقول: إذن علمُهم ليس هو العلم الذي أثبته اللهُ لنفسه في قوله تعالى: ﵟوَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِﵞ؛ لأنّ هذا علمٌ ذاتيٌّ، سابق على التكوين، محيطٌ بجميع شؤون الجنين من جنسه ورزقه وأجله وسعادته وشقاوته، ويشهد لهذا ما ورد في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: ((فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما فِي الْأَرْحامِ مِنْ ذَكَرٍ أو انْثى وَقَبيحٍ اوْ جَميلٍ وَسَخِيٍّ اوْ بَخيلٍ... فَهذا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ)) [نهج البلاغة، الخطبة 128].
ولو قلنا لك: العلماء الذين تنقُل عنهم في تحديد الجنس كالرسول الذي يحمل الهديّة، فهل تنسب الهديّة إلى الرسول، أم إلى المُرسِل؟
لقُلتَ: بكل تأكيدٍ إلى المُرسِل.
فنقول: فالطبيب والمختبر في تحديد الجنس كالرسول في إيصال الهديّة، والواهب بالحقيقة هو الذي أوجد المادّة والقانون، وأذِنَ في النتيجة، وهو اللهُ تبارك وتعالى.
فإذا كنتَ تقرّ بأنّ أصل المادّة من غيرك، وأنّ القانون الذي يعمل به العلماء لم يضعوه، وأنّ النتيجة ليستْ مضمونة لهم، وأنّ علمهم متأخّرٌ ناقص، وأنّ الفعل قد يقع بخلاف إرادتهم، فبأيّ وجهٍ تُنازع الله عزّ وجل في الهبة، وتنسبها إلى نفسك أو إليهم استقلالًا؟!
إنّما العلماء مباشرو سببٍ مأذونٍ به، وأمّا المسبَّب فمن فِعلِ مَنْ {خَلَقَ فَسَوَّى * وَقَدَّرَ فَهَدَى}، فلا واهب بالحقيقة سواه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
مركز الدليل العقائدي.
