
إذا كان الإلهُ هو (الرزّاق ذو القوّة المتين) فلماذا يأمر الناس بالإنفاق، ويقول (وممّا رزقناهم يُنفقون)؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.
إنّ مورد الإشكال ناشئٌ عن توهّمِ أنّ الأمر الإلهيّ بالإنفاق إنّما هو لرفع حاجةٍ تعود إلى الله سبحانه، مع أنّه غنيٌّ مطلقٌ. وهذا التوهّم ناشئٌ عن خلطٍ بين مقام الغنى الذاتيّ للواجب تعالى، وبين مقام تشريع الأحكام لمصالح العباد.
فالإنفاق الذي أَمر به القرآنُ الكريم ليس لرفع حاجةٍ عند المولى ـ تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ بل هو راجعٌ إلى شؤون العباد أنفسِهم؛ ذلك لأنّ المال الذي في أيدي الناس ليس ملكًا استقلاليًّا لهم، وإنّما هو حاصلٌ من أسبابٍ أودعها الله تعالى في الكون، مثل الأرض وما فيها، والشمس وضوئها، والماء وجريانه، والهواء بما فيه من حياة، فجميع هذه المذكورات ونحوها خارجةٌ عن قدرة الإنسان.
فالعبد متصرّفٌ في رزقٍ هو في حقيقته أمانةٌ، فإذا أُمِر أنْ يُخرِج منه، كان هذا لإظهار العبوديّة، وتثبيت معنى الاستخلاف، لا لإشباع حاجةٍ في مقام الغنى الذاتيّ لله عزّ وجل.
ولتقريب المعنى نقول: إنّ الوالد الغنيّ يهب ولده مالًا من عنده، ثم يأمره أنْ ينفق جزءًا منه على إخوته، فهنا لا يعني أنّ الوالد يحتاج إلى مالِ ولدِه، وإنّما يريد أنْ يختبر طاعته، ويؤدّبه على البذل، ولله المثل الأعلى، فكذلك الأمرُ الإلهيّ بالإنفاق، فهو امتحانٌ للعبد فيما أُعطي، لا سدٌّ لحاجةٍ عند الغنيّ المطلق.
ثمّ إنّ المجتمع لا يقوم على وجه الاستقامة إذا تُرك المال بيد فئةٍ تحتكره، وتمنع تداوله؛ فإنّ ذلك يؤدّي ـ لا محالة ـ إلى انقسامٍ طبقيٍّ حادٍّ يجرّ المجتمع إلى الفساد والانهيار، وقد دلّت التجارب، بل والوجدان، على أنّ الأُمم التي غاب عنها أصلُ التكافل والتعاون انهارت في مهاوي الفوضى، واضطربت قواعدها.
ومن هنا كان تشريعُ الإنفاق في الشريعة الإسلامية حفظًا لنظام المجتمع ولكيانه، لا سدًّا لحاجةٍ في جانب الغنيّ المطلق، جلّت عظمته، وتنزّهت ساحته.
مضافًا إلى أنّ النفس الإنسانيّة مشدودةٌ إلى المال، وتميل بطبعها إلى حبّ التملّك، فإذا تُركت على سجيّتها استعبَدت صاحبَها.. فجاء الأمر بالإنفاق علاجًا عمليًّا لهذه النزعة، وتطهيرًا للنفس من رقّ المال، وتربيةً لها على التحرُّر من العلائق الدنيويّة.
والخلاصة أنّ اللهَ سبحانه غنيٌّ مطلقٌ، لا يحتاج إلى إنفاق أحدٍ، ولكنّه يأمر بالإنفاق ليُظهر عبوديّة العبد، ويُقيم العدل بين الخلق، ويهذّب النفوس.. فالأمرُ بالإنفاق من شؤون تدبيره لعباده، لا من شؤون حاجته، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين، المعصومين المنتجبين.
