
ملحد يدعي قائلا: لو كان الإله موجودا فإنه سيقدر الولاء للعقل، أكثر من الخوف الأعمى. فكيف الرد عليه؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمدوآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذه الدعوى التي يطرحها الملحد دعوى غيرُ واضحةٍ منأصلها؛ فإنّ قوله: (الولاء للعقل) و(الخوف الأعمى) ألفاظٌ لا حدّ لها، ولا يُدرى ماذا يريد منها. ومع ذلك يمكن حمل كلامه على أنّه يتخيّل أنّ الله ـ لو كان موجوداً ـ سيُثني على مَن ترك الإيمان بحجّة العقل، ولن يعتدّ بإيمان مَن خاف العاقبة وآمن.
وهذا فهمٌ خاطئ؛ لأنّ العقل السليم لا ينفصل عن تقدير العواقب، بل كثيراً ما يكون الخوفُ الصحيح جزءاً من حكم العقل نفسه، لا نقيضاً له.
فالرجل إذا وقف على حافة بئر، فإنّ عقلَه يأمره بالابتعاد، وما يجده في نفسه من الخشية هو تأكيدٌ لهذا الحكم، والعيب إنما هو فيمنيتقدّم وهو يعلم بالخطر.
وهذا هو معنى قاعدةٍ يعرفها جميع العقلاء، وهي (وجوبدفع الضرر المحتمل).. فإذا كان السدّ الذي فوق رؤوس الناس قد ظهرت فيه تشقّقات، وكان احتمال انهياره ـ ولو بنحوٍ ضعيف ـ قائماً، فإنّ إخلاء المنطقة هو مقتضى العقل، والخوف في مثل هذا الموضع ليس نقصاً في الإدراك، بل هو عينُ الإدراك.
وعليه، فخشيةُ العاقبة الأخروية ـ على فرض احتمالها ليست هروباً ولا وهماً، بل امتثالٌ لحكم العقل نفسه، ومن أعرض عن هذا التفكّر، فحالُه كحالِ مَن يمشي على جسرٍ متصدّع لا يدري أثابتٌ هو أم آيلٌ إلى السقوط، ثمّ يستغرب ممّن يتثبّت منه قبل العبور.
ثمّ إنّ تعليق الإلحاد على (الولاء للعقل) قلبٌ للحقائق؛ لأنّ العقل يحكم بأنّ كلَّ حادثٍ يحتاج إلى محدِث، وأنّ النظامَ المحكم لا يقوم بلا مدبّر، وأنّ الممكنَ لا يوجد بلا مُوجد، والملحد يرفض هذه البديهيات، ثمّ يزعم أنه يتبع العقل! وهذا كمن يقرّ بأنّ البيت المتقَن لا بدّ له من بانٍ ومهندس، ثمّ إذا أشرف على الكون بأعظم قوانينه قال: هو بلا صانعٍ ولا خالقٍ عليم!!
وأمّا وصف الإيمان بأنه (خوفٌ أعمى)، فهو خلافُ ما أثبته الله سبحانه في كتابه؛ إذ جعل الخشيةَ صفةَ العلماء، فقال عزّ وجل:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.. فالخشيةُ وليدةُ معرفة، لا وليدةَ جهل، والطبيبُ الخبير يخشى الخطأ اليسير في جراحةٍ دقيقة، لا لضعف عقله،بل لأنه أعلم بآثار ذلك الخطأ، وأمّا الجاهل فلا يخاف؛ لأنه لا يدري ولا يعلم، وليس عدمُ إدراكه فضيلة.
وهكذا في الإيمان؛ فالمؤمن يخاف ربّه بعين البصيرة، والجاحد لا يخاف؛ لأنه غيرُ مدركٍ لحقيقة المصير.
والإيمان ـ في نظر الإسلام ـ مبنيٌّ على التفكّر والنظر والسعي لمعرفة المبدأ والعاقبة، لا على الخرافة ولا على العاطفة المجرّدة.
وأمّا الإلحاد فهو تعطيلٌ لأبسط بدهيات العقل، ورميٌ للإنسان في ظلماتٍ لا رؤية فيها ولا غاية ولا مصير معلوم، وهذا هو التهوّر بعينه.
فالخوفُ في مواضعه هو العقل، والجرأةُ في غير مواضعها هي الجهل، ولا معنى بعد ذلك للمفاضلة بينهما؛ لأنهما ـ في مقام التعرّف إلى الحقيقة ـ شيءٌ واحد.
والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
