
قرأت حديثًا دائمًا ما يردِّده البعض، فيه توسُّل آدم برسول الله وآل البيت، وأريد أن أعرف هل ذكرته كتب أهل السنة والجماعة، وإن كان مذكورًا فهل هو صحيح أو غير صحيح؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
توسُّل نبيّ الله آدم (عليه السلام) بمحمدٍ وآله (صلوات الله عليهم أجمعين)، مما ثبت عند السُّنة قبل الشيعة، فقد جاء في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية": ((وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة: ومن طريق الشيخ أبي الفرج، حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن رشدين، ثنا أحمد بن سعيد الفهري، ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه، فقال يا ربّ بحقّ محمّد إلا غفرت لي، فأوحى إليه: وما محمّد؟ ومن محمّد؟ فقال: يا رب، إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا عليه مكتوب: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، فعلمت أنّه أكرم خلقك عليك ; إذ قرنْتَ اسمه مع اسمك. فقال: نعم، قد غفرتُ لك، وهو آخر الأنبياء من ذريتك، ولولاه ما خلقتُك، فهذا الحديث يؤيِّد الذي قبله، وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة)) [مجموع الفتاوى، ج2، ص151].
وعن الكوثري في "محق التقوُّل": ((روى القاضي عياض في (الشفا) بسندٍ جيد عن مالك، قال ناظر أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالى أدب قومًا، فقال ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّﵞ الحجرات:2. وقد مدح قومًا، فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله} الحجرات:3. وذمّ قومًا، فقال ﵟإِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَﵞ الحجرات:4. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًّا، فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله (يعني الإمام مالك) أستقبلُ القبلة، وأدعو، أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الإمام مالك: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة. بل استقبلْه، واستشفع به، فيشفِّعه الله، قـال اللـه تعالى ﵟوَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمﵞ النساء:64)) [محق التقول في مسألة التوسل، ص189].
وجاء في " الدر المنثور" للسيوطي: ((وأخرج ابن النجار عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربه، فتاب عليه، قال: سأل: بحقّ محمّد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليَّ، فتاب عليه)) [الدر المنثور، ج1، ص61].
وفي " شواهد التنزيل "للحافظ الحسكاني: ((وعن الديلمي عن عليّ عليه السلام، قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} البقرة:37، فقال: إنّ الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بميسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند باكيًا على خطيئته حتى بعث الله إليه جبرئيل، وقال: يا آدم، أ لم أخلقك بيدي؟ أ لم أنفخ فيك من روحي؟ أ لم أُسجِد لك ملائكتي؟ أ لم أزوِّجك حواء أمتي؟ قال: بلى. قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء، وقد أُخرجت من جوار الرحمان؟ قال: فعليك بهؤلاء الكلمات، فإنّ الله قابلٌ توبتك وغافرٌ ذنبك، قل: اللهم إني أسالك بحقّ محمّد وآل محمّد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، فتب عليَّ [إنك] أنت التواب الرحيم. اللهم إني أسالك بحقّ محمّد وآل محمّد، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، فتب عليَّ، إنّك أنت التواب الرحيم. فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم)) [شواهد التنزيل، ج1، ص101].
وجاء عن الشوكاني في " الفتح الرباني" قوله: ((في تفسير الكلمات التي تلقاها أبو الخليقة آدم عليه السلام من ربه- جلّ وعلا- فأخرج ابن المنذر عن محمد بن علي بن الحسن بن علي- رضي الله عنهم - قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظُم كربُه، واشتدّ ندمه، فجاءه جبريل [عليه السلام] فقال: يا آدم هل أدلك على بابِ توبتك الذي يتوب الله عليك؟ قال: بلى يا جبريل. قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك، فمجِّده، وامدح، حتى قال في آخر الحديث: "اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي، فقال الله: يا آدم، من علّمك هذا؟ قال: يا رب إنك لما نفخت فيَّ الروح، فقمتُ بشرًا سويًّا، أسمعُ، وأبصرُ، وأعقلُ، وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوبًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمدٌ رسول الله، فلما لم أرَ على أثر اسمك اسم ملكٍ مقرَّب، ولا نبيّ مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك، قال صدقت يا آدم ". وهذا وإن كان منقطعًا فإن من مثل الباقر محمد بن علي - رضي الله عنه - لا يقال بالرأي، ولا يطلقه شاكًّا في سنده)) [الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، ج1، ص288].
وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. [المستدرك على الصحيحين، ج2، ص615].
إذن، التوسّل ثابتٌ ـ كما بيَّناه ـ عند أهل السنة قبل الشيعة.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
