
وردت في حديث الثقلين الذي يستدل به الرافضة لفظة العترة ذات المعنى الشامل فجعلوها حكرا على عليّ وفاطمة والحسن والحسين رضى الله عنهم، وهذا قول أبي بكر رضى الله عنه: (نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللهِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ)، يدل على الشمول في معنى العترة، ولكن مع من نتكلم ومن نقنع!!
الجواب
لا نظنّ أنّ أحداً، قرأ الحديث والتاريخ، يشكّ في أنّ المراد من العترة وأهل البيت لفيف خاصّ من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويكفي في ذلك مراجعة الاَحاديث التي جمعها ابن الاَثير في جامعه عن الصحاح.
والمراد من "العترة" هم المعصومون المطهرون من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم، كما صرّح في لسان العرب بأنّ (العترة) هم (أهل البيت) مستدلاًّ بحديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» قال: «فجعل العترة أهل البيت» [لسان العرب، ج9، ص34 مادّة "عتر"].
وصرّح كثيرون من أهل اللغة وأئمتها ونصوا على أن العترة في اللغة هم (الأولاد والأقارب والأدنون) لا مطلقهم.
قال الفيروز آبادي: (والعترة بالكسر قلادة تعجن بالمسك، ونسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون) [القاموس المحيط، ج2، ص120].
وقال ابن منظور: (أبو عبيدة وغيره: عترة الرجل وأسرته وفصيلته رهطه الأدنون...) [لسان العرب، ج4، ج538].
وقال ابن الأثير: (عترة الرجل أخص أقاربه...) [المصدر السابق].
وقال أيضاً: (وقال ابن الأعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، قال: " فعترة النبي (ص) ولد فاطمة البتول... ") [المصدر السابق].
وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إنّ لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلاّ ولد فاطمة، فأنا وليهم وأنا عصبتهم، وهم عترتي خلقوا من طينتي، ويل للمكذبين بفضلهم، من أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) [أنظر: كنز العمال، ج12، ص98، وتاريخ ابن عساكر، ج36، ص313].
وأما الأحاديث التي دلَّت على أن المراد بأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم هم عليّ وفاطمة وأبناؤهما (عليهم السلام)، فهي كثيرة جداً:
منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والترمذي في سُننه مختصراً، وكذا الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في حديث طويل: ((ولمَّا نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي)) [صحيح مسلم، ج4، ص1871؛ كتاب فضائل الصحابة. مسند أحمد بن حنبل، ج1، ص185؛ سنن الترمذي، ج5، ص225، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. المستدرك على الصحيحين، ج3، ص150، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي].
ومنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة، قالت: ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مِرْط مُرَحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا})) [صحيح مسلم، ج4، ص1883، كتاب فضائل الصحابة].
ومنها: ما أخرجه الترمذي في سننه وحسَّنه، والحاكم في المستدرك وصحَّحه، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم عن أنس بن مالك وغيره: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا})) [سنن الترمذي، ج5، ص225. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. المستدرك على الصحيحين، ج3، ص158، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. مجمع الزوائد، ج9، ص168].
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالّة على أن العترة هم أهل البيت، وأهل البيت هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).
وقد فهم العديد من علماء أهل السنة من حديث الثقلين أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقصد بعترته عامة أقربائه من بني هاشم، وإنما أراد جماعة خاصة منهم، فقد قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: ((قوله: والعترة رهط الرجل وأقرباؤه وعشيرته الأدنون، وفسره رسول الله (ص) بقوله وأهل بيتي للإشارة إلى أن مراده من العترة أخص عشيرته وأقاربه وهم أولاد الجد القريب، أي أولاده وذريته (ص)...)) [أشعة اللمعات، ج4، ج681].
وقال المناوي: ((وعترتي أهل بيتي تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا...)) [فيض القدير، ج3، ج19].
وقال الملا علي القاري: ((وأقول: الأظهر هو أن أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم والمطلعون على سيرته الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكونوا مقابلاً لكتاب الله...)) [مرقاة المفاتيح، ج10، ص531].
وقال ابن حجر: ((ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيّده الخبر السابق: «ولا تعلِّموهم فإنهم أعلم منكم»، وتميَّزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وشرَّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة، وقد مرَّ بعضها)) [الصواعق المحرقة، ص151].
فكلام هؤلاء العلماء صريح في أن المراد بالعترة وأهل البيت عليهم السلام في حديث الثقلين ليس كل أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله)، بل هم فئة خاصة من اقربائه اختارهم الله تعالى وحددهم بعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (عليهم السلام)، لأنه توفرت فيهم صفات ومؤهلات معينة من التقوى والورع والمعرفة التامة بكتاب الله عز وجل وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرته، فهؤلاء هم الذين يصح أن يكونوا عدل القرآن الكريم.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
