مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

دعوى ثبوت نبوة النبي متوقفة على شهادة القرآن

السائل أحمد صبيح النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 645 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ان ثبوت نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوقف على شهادة القرآن الكريم، وثبوت أن القرآن الكريم من عند الله تعالى متوقف على شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا دور باطل.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

هذا الإشكال ذكره العلماء في سياق النقد والتحليل وقالوا لو كان إثبات نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، متوقفة على شهادة القرآن الكريم، واثبات ان القرآن من عند الله سبحان متوقف على شهادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لاستلزم الدور، أي توقّف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه، كتوقف (أ) على (ب)، وتوقف (ب) على (أ)، وهو باطل.

وغاية ما فعله كاتب الشبهة هو اقتباس نص ما قاله العلماء في معرض نقدهم لهذه المسألة ومناقشتها، بالمقدار الذي يثير الشك والشبهة، وتعمد ترك ما افادوه من بيان في المسألة.

ونقول: إنّ دعوى استلزام الدور في المسألة سالبة بانتفاء الموضوع، لأنها مبتنية على أنّ الرسول أو النبي هو من أنزل عليه كتاب، ومن لم ينزل عليه كتاب فهو ليس بنبي أو مرسل. وليس الأمر كما يتصوره أو يصوره كاتب الشبهة، فهذا هو القرآن بين أيدينا، وصف أُناساً بالرسالة مع أنّه لم يكن مع واحد منهم كتاب، قال سبحانه: ﵟوَاذْكُرْ فِي الكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاًﵞ [مريم:٥٤]، وقال عز من قائل: ﵟكَذَّبَ أَصْحابُ الاَيْكَة الْمُرْسَلينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌﵞ [الشعراء:١٧٦ـ ١٧٨] وقال سبحانه: ﵟإِذ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌﵞ، [الشعراء:١٦١- ١٦٢].

فهؤلاء الرسل لم يكونوا أصحاب كتب سماوية ولم يذكر أحد من الباحثين القدامى والمتأخرين كتاباً لهم، وما عزا إليهم أحد من أصحاب الملل وكُتّاب السير والتاريخ، كتاباً وما جاء لكتبهم ذكر في الاَحاديث الشريفة، وفي مثل هذا المورد، يصح أن يستدل بعدم الوجدان على عدم الوجود.

وقال سبحانه: ﵟأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهيمَ وَأَصحابِ مَدْيَنَ والمؤتفكات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَﵞ [ٌالتوبة: ٧٠]، فقد بعث اللّه هوداً إلى عاد، وصالحاً إلى ثمود، وشعيباً إلى مدين، الذين عدتهم الآية من الرسل ولم يثبت لواحد منهم كتاب. نعم نص القرآن على صحف إبراهيم وقال: {صُحُفِ إِبْراهيمَ وَمُوسَى} [الاَعلى:١٩] كما نصت الروايات على كتاب نوح، فقد أخرج الشيخ الصدوق في عيون الأخبار، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قوله: ((... انّ كل نبي بعد نوح كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل)) [عيون أخبار الرضا، ج2، ص86].

وبذلك يظهر المقصود من قوله سبحانه: ﵟوَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْﵞ [آل عمران:٨١] فالآية أمّا تنظر إلى الاَنبياء بنظرة واحدة وتصف الجميع بقوله: ﵟلَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍﵞ أو المراد هو الكتب التشريعية السماوية التي تعد أساس دعوة الاَنبياء ويحتمل أن يكون المراد من (النبيين) خصوص أصحاب الشرائع فلاحظ.

وهذا القول لا يتلاءم مع ما رواه الفريقان في عدد المرسلين والكتب، فعن أبي ذر انّه قال: ((قلت يا رسول اللّه كم النبيون؟ قال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألف نبي»، قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً ...)) إلى أن قال: ((قلت: يا رسول اللّه! كم أنزل اللّه من كتاب؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، وأنزل اللّه تعالى على شيث، خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة والاَنجيل والزبور والفرقان)). [معاني الاَخبار، ص٥٩، الخصال، ج٢، ص١٠٤، العقائد النسفية، للتفتازاني، ص١٦٩].

وللإستزادة والتوسع في المطلب راجع كتاب مفاهيم القرآن، للسبحاني [ج4، ص350 – 353].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة