مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

توهّم معارضة حديث الفرقة الناجية لعموم الرحمة الإلهية

السائل طالب علم النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 1 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

١. يدعي البعض أن حديث الفرقة الناجية غير صحيح من باب أن هذا الحديث يتعارض مع رحمة الله التي وسعت كل شيء ـ فما جوابكم عليه ؟ ٢. حين نقول أن رحمة وسعت كل شيء ـ هل بمعنى جرى الفعل منذ القِدَم أم فقط بمعنى الإخبار عن حين وقوعه في حق مَن يستحق الرحمة ؟ ٣. كيف نعرف ونُميز هذه الفرقة وما خصائص أو علائم أهلها ؟ ٤. هل أهلُ هذه الفرقة ينحصرون تحت المُسمى المذهبي المعروف اليوم أم يُمكن أختيار أهلُ هذه الفرقة من كل المذاهب بشرط أنهم ملتزمون دينيًا ؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.

لقد ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الأمة ستفترق من بعده إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار، والناجية منها واحدة.

أخرجه - بألفاظ متعددة - أبو داود وابن ماجة وأحمد والهيثمي وابن أبي عاصم والسيوطي وابن حجر والتبريزي والألباني وغيرهم.

وقد صرّح السيوطي بتواتر الحديث المذكور - كما في فيض القدير، ج2، ص27 - وكذلك الكتّاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ص47، فلا حاجة لتتبّع أسانيده وتخريجها بعد ثبوت تواتره.

ثم لا بدّ من ضمّ هذا الحديث إلى ما ثبت أيضًا عن النبي (صلى الله عليه وآله) من حديث الثقلين، وهو قوله: ((إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا)) [صحيح مسلم، ج7، ص122].

أمّا السؤال الأوّل: في دعوى التعارض بين حديث الفرقة الناجية وبين قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، فجوابه: أنّه دعوى غير تامّة، ومنشؤها عدم التدبّر في تمام الآية، وذلك لأنّ الآية لم تقتصر على بيان سعة الرحمة، بل عقّبتها بقوله سبحانه: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف:156]، وهو ظاهر في أنّ الرحمة الإلهية على نحوين: رحمة عامّة تشمل جميع الخلق في دار الدنيا، ورحمة خاصّة يختصّ بها أهل التقوى في دار الآخرة.

وقد ذُكر في تفسير الآية أنّ هذه الرحمة الواسعة تشمل النعم الظاهرة والباطنة، وأنّ أبوابها مفتوحة للجميع، لكنّ الناس هم الذين يختلفون في الدخول إليها، فمن لم يدخل فيها فإنّما ذلك من جهة تقصيره، لا من جهة ضيق الرحمة، ومع ذلك فإنّ الرحمة التي تكون يوم القيامة ليست بلا شرط، بل هي مقيّدة بالتقوى والإيمان [يُنظر: تفسير الأمثل، ج5، ص241].

وعليه، فحديث الفرقة الناجية ناظر إلى الرحمة الخاصّة، أي النجاة الأخروية، وهي ممّا قيّدها القرآن الكريم بالإيمان والتقوى، فلا يكون في الحديث أيّ منافاة لعموم الرحمة المذكورة في صدر الآية، بل لو قيل بشمول النجاة للجميع بدعوى سعة الرحمة، للزم إلغاء الفرق بين المهتدي والضال، وهو خلاف ما دلّ عليه الكتاب العزيز في غير موضع.

وأمّا السؤال الثاني: وهو أنّ رحمةً وسعت كلّ شيء، هل بمعنى جرى الفعل منذ القِدَم، أم بمعنى الإخبار عن وقوعها في حقّ من يستحقّها؟

فجوابه: إنّ قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} ليس بمعنى تحقّق جميع مراتب الرحمة لكلّ أحد من الأزل، بحيث لا يتخلّف عنها أحد، بل هو إخبار عن سعة الرحمة من حيث الشمول في مواردها التي شاءها الله سبحانه.

فالسعة هنا راجعة إلى أصل العطاء الإلهي، من الإيجاد والإمداد والإمهال وفتح باب التوبة، لا إلى تساوي الناس في العاقبة، ومن هنا عقّب سبحانه بقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، فبيّن عزّ وجلّ أنّ الرحمة التي هي النجاة والثواب ليست عامّة، بل مخصوصة بمن تحقّق فيه عنوان التقوى.

وأمّا السؤال الثالث، وهو: كيف تُعرف الفرقة الناجية؟

فجوابه: إنّ حديث الفرقة الناجية وإن لم يتعرّض لبيان عنوانها تفصيلًا، إلّا أنّ الطريق إلى معرفتها قد بُيّن في حديثٍ آخر، وهو حديث الثقلين؛ فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) جعل عدم الضلال مترتّبًا على التمسّك بالثقلين معًا، فقال: ((ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا))، وهذا ظاهر في أنّ طريق الهداية منحصر في هذا الأخذ الخاص، لا في مطلق الانتساب إلى الإسلام. وحينئذٍ، يكون مقتضى ضمّ الحديثين أنّ الفرقة الناجية هي التي أخذت بالثقلين، فجعلت كتاب الله وعترة النبي (عليهم السلام) المرجع في الدين، ترجع إليهما في معارفها وأحكامها. وأمّا من أخذ بأحدهما دون الآخر، أو عدل عن العترة وقدّم غيرهم عليهم، فلا يندرج تحت هذا الضمان، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يجعل العصمة من الضلال إلّا في التمسّك بهما معًا.

ويشهد لهذا المعنى ما صدر من بعضهم من الإقرار، حيث قال الألباني في "الفتاوى المهمة": ((يكفي عندنا القرآن والسنة، وهم عندهم القرآن وأهل البيت)) [الفتاوى المهمة في التفرقة بين السنة والشيعة، ص154]، وهذا في نفسه اعتراف بأنّ الطريقين مختلفان، وأنّ ما دلّ عليه حديث الثقلين هو الجمع بين الكتاب والعترة، لا الاكتفاء بغيرهما.

وأمّا السؤال الرابع، وهو: هل أهل هذه الفرقة ينحصرون في عنوانٍ معيّن، أو يمكن تحصيلهم من مختلف المذاهب؟

فجوابه: إنّ الحديث لم يجعل المدار على مجرّد الانتساب، بل علّق النجاة على أمرٍ واضح، وهو التمسّك بالثقلين، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): ((ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا)). وحينئذٍ لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا العنوان لم يبقَ أمرًا مبهمًا في الخارج، بل قد تجسّد في طائفةٍ عُرفت بالرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) والأخذ عنهم في أصول الدين وفروعه، وهذه هي الشيعة الإمامية.

فليست المسألة مجرّد دعوى التديّن، ولا الالتزام ببعض الأحكام، بل المدار على الأخذ بالدين من مأخذه الذي عيّنه النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو الكتاب والعترة معًا.

وعليه، فمن لم يرجع إلى العترة في فهم الدين، ولم يجعلهم المرجع في معالمه، لا يصدق عليه أنّه متمسّك بالثقلين، وإن كان عنده نوع التزام في بعض الجوانب.

ومن جميع ما تقدّم يتّضح أنّ الفرقة الناجية ليست عنوانًا مفتوحًا لكلّ من انتسب أو تدين على وجهٍ ما، بل هي حقيقة محدّدة قد دلّ عليها النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد انطبقت في الخارج على من التزم باتّباع أهل البيت (عليهم السلام)، وهم الشيعة الإمامية.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة