مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

رواية الفيل الطائر ومغالطات الغُلاة

السائل طلبة الحوزة النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 292 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

وجدنا أنّ هناك مَن يُضعِّف سند هذه الرواية، لكنه في الوقت ذاته يُؤكِّد صحة متنها ومضمونها، مُستدلًّا بأنّ معاجز أهل البيت (عليهم السلام) لا تُحصى، وأنّ هذه الرواية ليست إلا واحدةً منها. فهل يصحّ هذا المنهج في التعاطي مع الروايات؟ وما هو الحكم الصحيح بشأن هذه الرواية (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي، قال: حدثنا شاذان بن عمر، قال: حدثنا مُرّة بن قبيصة بن عبد الحميد، قال: قال لي جابر بن يزيد الجعفي: رأيت مولاي الباقر (ع) وقد صنع فيلًا من طينٍ، فركبه، وطار في الهواء حتى ذهب إلى مكة،، ورجع عليه فلم أصدِّق ذلك منه حتى رأيت الباقر ع، فقلت له: أخبرَني جابرٌ عنك بكذا وكذا؟ فصنع مثله، فركب، وحملني معه إلى مكة، وردَّني)، نرجو بيان الحقيقة في ذلك.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

هذه الرواية واهيةٌ لا أصلَ لها، ساقطةٌ سندًا ومتروكةٌ متنًا، لا يَعبأ بها إلّا مَن اغترَّ بأكاذيب الغُلاة الذين دسّوا على أئمة الهدى (عليهم السلام) ما أساء إليهم، ونسبوا إليهم ما هم منه براءٌ، وقد قالَ مولانا أميرُ المؤمنين (عليه السلام): ((إنّ في أيدي الناس حقًّا وباطلًا، وصِدقًا وكذبًا، وناسخًا ومنسوخًا، وعامًّا وخاصًّا، ومحكمًا ومتشابهًا، وحفظًا ووهْمًا، وقد كُذِب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبًا، فقال: كَثُرَتْ عَلَيَّ الكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) [الكافي، ج1، ص62]. فكيف نقبل بحديثٍ كهذا دون تمحيصٍ ولا تدقيق؟!

أما من حيث السَّند، فهو أوهى من بيت العنكبوت، فالرواة فيه إما مجهولون لا يُعرَف حالهم، وإما ضعفاءُ لا يُعوَّل عليهم.

فأما "أحمد بن منصور الزيادي" فغير مذكورٍ في كتب الرجال، وأما "شاذان بن عمر" فمجهولُ العين والحال، وأما "مُرّة بن قبيصة بن عبد الحميد" فلا يُعرَف له ذِكرٌ في كتب التراجم، وأما "جابر بن يزيد الجعفي" فمع جلالته وثقته، فقد أُلصقت باسمه رواياتٌ دسّها الغُلاة، وأهل البيت (عليهم السلام) نهَونا عن قبول كل ما نُقِل عنهم بلا غربلة. فإنْ كان السند بهذه الدرجة من السقوط، فأيّ اعتبارٍ يبقى لهذه الرواية؟!

وأما متنها فهو أغرب من الخيال، وأبعد عن الحقِّ من السراب؛ إذ كيف يُعقل أنّ الإمام الباقر (عليه السلام)، وهو سيِّد الفقهاء وإمام العلم والدين، يقوم بعملٍ لا فائدة فيه ولا حجّة، بل أقرب إلى أفعال المشعوذين - حاشاه - الذين يسعَون وراء الإثارة والإبهار؟! ومَن ذا الذي رأى فيلًا يطير؟! لا في الواقع، ولا حتى في أساطير السابقين؟! بل حتى لو فرضْنا – تنزُّلًا – أنّ الإمام أراد صنْع مخلوقٍ طائر، أ لم يكن من الحكمة أنْ يكون طائرًا حقيقيًّا كالنسور والعقبان، أو حتى العنقاء التي ذكرتْها الأساطير؟! أ ليس اختيار الفيل ـ وهو أضخم ما يكون من الحيوانات البريّة ـ دلالةً على ضعف واضع الرواية، وعدم تدبُّره في كذبه؟!

ثم إنّ المعجزة لا تكون لهوًا ولا عبثًا، وإنما تكون لإقامة الحجّة وإظهار الحقّ، فهل كان الإمام الباقر (عليه السلام) بحاجةٍ إلى هذه الحيلة - وحاشاه - حتى يُثبِت إمامته؟! أ لم تكن علومُه التي ملأت الآفاق، وحجَجه التي أسكتتِ الخصوم، كافيةً ليهتدي مَن طلب الحقّ؟! ومتى كان حجَج الله - حاشاهم - يستخدمون هذه الأفعال التي لا تليق إلا بأهل الشعوذة والدجَل؟! وقد ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قولهم: ((ما أتاك عنّا فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالفه فاطرحوه)) [الاستبصار، للشيخ الطوسي، ج٣، ص١٥٨‏]، فأين في القرآن أو سُنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مثلُ هذه الرواية العجيبة؟!

ثم إنّ هذه الرواية لا تخفى على المتأمِّل أنها من مختلَقات الغُلاة الذين لم يكتفوا بالكذب على الأئمة (عليهم السلام)، بل نسبوا إليهم ما لا يقبله عقلٌ ولا شرعٌ، وجعلوهم في منزلة الأساطير، حتى بلغ بهم الغلوّ إلى أنْ ينسبوا لهم ما يخرج عن حدود الإمامة التي رسمها الله لهم.

وأين هذه الرواية من ميزان أهل البيت (عليهم السلام) في تمحيص الأخبار؟! فقد أمرونا بعرض كلِّ حديثٍ على كتاب الله وسُنّة نبيه (صلى الله عليه وآله)، فقال الإمام الصادق (عليه السلام): ‏((لا تقبلوا علينا حديثًا إلا ما وافق القرآن والسُّنّة، أو تجدون معه شاهدًا من أحاديثنا المتقدِّمة... ‏فاتّقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا تعالى، وسُنّة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وآله)) ‌‏[اختيار معرفة الرجال، للشيخ الطوسي، ج2، ص489]، ‏فكيف تُقبَل روايةٌ لم يعضدها كتاب ولا سُنّة، بل تتعارض مع مقام الإمامة وما عُرِف عنهم (عليهم السلام) من الحكمة والبرهان؟! أ ليستْ هذه إلا من دسائس الغُلاة الذين حذّر الأئمة (عليهم السلام) من أكاذيبهم، وأَمروا بلعنهم والبراءة منهم؟!

ومن العجَب أنْ يدّعي مدّعٍ أنّ هذه الرواية مما لا يخالف كتاب الله سبحانه، فنقول له: إنّ القرآن لم يذكر من المعجزات إلّا ما كان بغاية الحكمة، ولم يكن فيه شيءٌ من هذا النمط، بل حتى المعجزات الخارقة التي وقعت على أيدي الأنبياء لم تكن استعراضيّة ولا عبثيّة، كما في معجزة عيسى (عليه السلام) حين صنع الطير من الطين بإذن الله، فكان الهدفُ منها إقامة الحجّة على بني إسرائيل الذين طلبوا آيةً لإثبات نبوّته، وأما هذه الرواية، فليس فيها إقامة حجّةٍ، ولا تحقيق غايةٍ شرعيّة، ولا هدفٌ واضحٌ سوى العبث والاستعراض، مما يدلّ على بطلانها وكونها من أكاذيب القصّاصين.

فالرواية إذن مردودةٌ سندًا، مهجورةٌ متنًا، وهي ليستْ إلا كذبةً صريحةً على الإمام الباقر (عليه السلام)، وضعَها مَن لا خلاق له في دين الله، وهي مما يُضحِك العاقل، ويثير السخرية، فكيف نحتجُّ بها أو نقبلها؟! حاشا الإمام الباقر (عليه السلام) أنْ تُلصَق به هذه الترَّهات، وحاشا لشيعة أهل البيت أنْ يُخدعوا بمثل هذا الكذب البارد!

وقد يعترض بعضُهم قائلًا: صحيحٌ أنّ الفيل بطبيعته لا يطير، ولكنّ المعجزة تقتضي خرق العادة وإظهار القدرة الإلهيّة في جعل غير الممكن ممكنًا، فكلما كانت المعجزة أعجب وأغرب، كانت دلالتها على عظمة صاحبها أقوى، ومن ذلك أنْ يَجعل الإمامُ (عليه السلام) ما ليس بطائرٍ قادرًا على الطيران؛ لإظهار عظيمِ منزلته وإقامة الحجّة على الناس!!

فأقول: هذا الكلام إنما يصدر عمّن لم يفقهْ حقيقة المعجزة، ولم يدركْ سُنن الله في حُجَجه على عباده، فإنّ المعجزة لم تكن يومًا عبثًا ولا استعراضًا لخوارق الأمور، بل جرتْ سنّةُ الله في أنْ تكون على وفق الحكمة الإلهيّة ولإقامة الحجّة، لا لمجرَّد الإتيان بما يُعدّ أعجب وأغرب. فليس المدار في المعجزة على كونها مما لم يُعهَد، بل على أنْ تكون دالّةً على الحقّ، مقرِّرةً للحجّة، لا أنْ تكون على نحوٍ يوقِع في التخييل والتشبيه بأفعال السحَرة والمشعوذين، وحاشا أئمة الهدى (عليهم السلام) أنْ يكون لهم شأنٌ في ذلك.

أما القول بأنّ المعجزة إنما تُظهر قوتها بكونها في غير الممكنات، فقولٌ مردودٌ يُبطِله النقل والعقل، فإنّ الله سبحانه لم يُجرِ المعجزات على ما ينافي سُننه وحكمته، بل على ما يكون أصلح للحجّة وأبلغ في إقامة البرهان، فحينما كانت معجزةُ موسى (عليه السلام) قلبَ العصا إلى حيّة، فإنما كان ذلك؛ لأن قومه برعوا في السحر، فجاءتهم المعجزة على وفق ما يفهمونه، وحينما بُعِث عيسى (عليه السلام) بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، كان ذلك لأن قومه اشتغلوا بالطبّ، فجاءتهم المعجزة فيما يدركون عجزهم عنه، ولم يكن شيءٌ من ذلك لمجرَّد الإثارة أو الإبهار.

ثم إنّ المعترِض بقوله: هذا يُلزِم بما هو أشنع؛ إذ لو صحَّ ما قال، لكان الأولى أنْ يَجعل الله تعالى معجزات أنبيائه جميعًا في قلْب الجبال ذهبًا، أو جعل البحار نارًا، أو إنطاق الجمادات بلا حاجةٍ، وهذا ما لم يكن؛ لأنه لا حكمة فيه، فكيف يُنسَب إلى الإمام الباقر (عليه السلام) أنه جاء بمعجزةٍ لا تقوم بها حجّة، ولا تُقيم برهانًا، ولا يُدرَك فيها غايةٌ إلا التشبيه بأفعال الدجّالين وأصحاب الشعوذة؟!

فأيّ عقلٍ سليمٍ يسلّم بهذه الرواية الواهية التي لم تَثبُت سندًا، ولا استقامتْ مضمونًا، ولا انسجمتْ مع نهج أهل البيت (عليهم السلام)؟! وهل هي إلا من تخليط الغُلاة الذين أرادوا تشويه صورة الأئمة (عليهم السلام) بنسبتهم إلى ما لا يليق بمقام العصمة والولاية؟!

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة