مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إن كان يهذي في مرضه، فكيف قبلتم أمره بالصلاة؟!

السائل Akmar Ali النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 178 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

استاذي عندي سؤال إذا أمكن وهو: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [ الكهف:110]. وهنا من خالفنا يقول ان النبي يهذي والعياذ بالله كما هو في رزية الخميس من اجل توثيق قول عمر؟ كيف نرد عليهم بأن النبي المعصوم وأن الهذي الله سبحانه وتعالى نزهه منه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ نسبة الهذيان إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) باطلٌ من أساسه، وقد نزّهه القرآن الكريم عن ذلك بأوضح البيان، فقال سبحانه: ﵟوَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍﵞ [التكوير:22]، وقال: ﵟمَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىﵞ [النجم:2]، وأكّد أنّ كلامه لا يصدر عن هوى ولا عن ضعفٍ يعتريه، بل هو وحي محفوظ، بقوله: ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم:3و4]. وهذه النصوص المحكمة تقطع الطريق على كل متقوِّل، وتثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم عن اللغو والخطل في جميع أحواله، في صحته ومرضه، وفي شدته ورخائه.

وعلى مستوى العقل، لو جاز على النبي (صلى الله عليه وآله) أن يهذي لحظةً واحدة، لارتفع الوثوق بكلامه من أصله، ولما أمكن التمييز بين الوحي والهذيان، وحينئذٍ تسقط النبوة بأكملها، وهذا ممتنع في حكمة الله سبحانه، إذ لا يبعث رسولًا يوحى إليه ثم يجوِّز أن يختلط وحيه باللغو والهذيان.. فالعقل والقرآن معًا يدلاّن على أنّ عصمته تامّة لا تقبل الاستثناء.

وأمّا ما وقع في رزية الخميس، فإنّ قول بعضهم: (إنّه ليهجر) لم يكن توصيفًا لحال النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنّما كان اعتراضًا صريحًا لإبطال ما أراد أن يكتبه من وصيّة تحفظ الأمّة من الضلال، والشاهد على ذلك أنّهم رووا في أصحّ كتبهم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو في مرضه الأخير، أمر أبا بكر أن يتقدّم بالناس في الصلاة، فقد جاء في صحيح البخاري: ((لمّا مرض النبي صلى الله عليه وسلم ‌مرضه ‌الذي ‌مات ‌فيه، أتاه المؤذّن بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس...)) [صحيح البخاري، ج1، ص251، تـ البغا].

فهذا نصّ واضح على أنّ أمره بالإمامة كان في مرض وفاته، فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله) - وحاشاه - يهذي في مرضه، لوجب ترك أمره ذاك، ولكنّهم أطاعوه وامتثلوا.. فكيف يكون قوله في إمامة أبي بكر صحيحًا ملزمًا، بينما يكون قوله في كتابة الوصية لغوًا مردودًا؟!!

وقد نصّ الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" على أنّ مدّة مرض النبي (صلى الله عليه وآله) كانت ثلاثة عشر يومًا، فقال: ((واختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يوما)) [فتح الباري، لابن حجر، ج8، ص129، ط. السلفية]، فهذه المدّة المحدودة هي بعينها التي وقع فيها الأمران معًا، أمره (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر أن يصلّي بالناس، وقد تلقّوه بالقبول ولم يعترض أحد عليهم بأنّه يهذي، وأمره الآخر بكتابة الوصيّة التي تحفظ الأمّة من الضلال، فإذا بهم يرفضونه ويقول بعضهم: (إنّه ليهجر).

فكيف يُقبل أمره في شأن الصلاة ويُمتثل بلا اعتراض، ثم يُردّ أمره في شأن الوصية بحجّة أنّه يهجر؟! فهذا أقبح ما في التناقض، إذ كشف أنّ القضية لم تكن مرضًا ولا هذيانًا، وإنّما كان هوىً سياسيًا حال دون تنفيذ وصيّته (صلى الله عليه وآله).

وأمّا قوله تعالى: ﵟإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّﵞ [الكهف:110]، فليس فيه دلالة على نقص، وإنّما المراد بيان أنّه ليس مَلكًا، بل بشر من حيث التكوين الظاهر، إلا أنّ الله سبحانه شرّفه بالوحي والعصمة، شأنه في ذلك شأن سائر الأنبياء الذين جمعوا بين البشرية من جهة، وبين الاصطفاء والعصمة من جهة أخرى.. فمن احتجّ بهذه الآية على جواز الهذيان فقد خلط بين وصف الخِلقة ومقام الرسالة والاصطفاء.

والخلاصة أنّ دعوى الهذيان مردودة بالقرآن والعقل، ومناقضة لروايات القوم أنفسهم التي تثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان في مرضه الأخير نافذ الكلمة، مطاع الأمر، مأمون القول.

فقبول أوامره في إمامة الصلاة وردّها في كتابة الوصية ليس إلا هوىً مكشوفًا، يفضح الدافع الحقيقي وراء تلك الكلمة التي تفوّه بها بعضهم يوم الرزية.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة