مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التولّي والتبرّي في زمن التباس الحقائق

السائل مرتضى النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 1 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم ـ سيدنا لكم منشورات عديدة في مقام الإرشاد ـ فنتمنى في هذه الأيام أن توجهوها نحو كيفية التولي والتبري بحيث يتم ربط الفكرة الشيعية على موضع أو مواضع يُمكن لأفراد بعض مجتمعنا العراقي التمييز في ظل هذه الظروف الحرجة.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ من أوضح معالم الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام) هو مسألة التبري والتولي، حيث أشارت إليها نصوص كثيرة وردت عنهم، منها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((هل الدين إلا الحب؟ إن الله عز وجل يقول: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله")) [الخصال، للشيخ الصدوق، ص21]. والمعنى أنّ الدين ليس مجرد معرفةٍ محدودة بالذهن، بل يتعدى ذلك إلى التجسيد العمليّ الذي يقوم على موالاة الحقّ وأهله والبراءة من الباطل وأهله.

غير أنّ هذا المبدأ العقدي لا ينبغي أن يُؤخذ على نحو الاندفاع العاطفي أو ردود الأفعال النفسية الآنية، بل له ضوابط واضحة سار عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأصحابهم. فإنّ التولّي معناه الوقوف مع خطّ الحقّ الذي مثّله النبي (صلى الله عليه وآله)، وأهل بيته (عليهم السلام)، ونصرة ما قام عليه هذا الخطّ من حفظ الدين والأمة الإسلامية، وأمّا التبرّي فمعناه البراءة من الظلم والعدوان والانحراف عن ذلك الطريق الحق.

ومن هذا المنطلق لابد من التنبيه إلى أمرٍ مهم في هذه المرحلة التي تمرّ بها مجتمعاتنا، لاسيما في العراق، حيث تتوارد الأخبار وتلتبس المواقف وتتفاعل معها العواطف بشدة. فإنّ التولّي والتبرّي لا يتحققان باتباع كلّ شعارٍ يتم تداوله، ولا بكل راية تُرفع، ولا بكلّ دعوةٍ تُطلق، ولا بما يتناقله الناس في المجالس أو وسائل الإعلام، بل يُعرف الحقّ بالرجوع إلى الضوابط الشرعية التي سار عليها العلماء الأعلام، وإلى ما يحفظ وحدة المؤمنين من التمزّق والفتنة.

وقد كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يوصون أتباعهم دائمًا بحفظ وحدة المؤمنين واجتناب ما يوقع بينهم التباغض والاقتتال، لأنّ ذلك ممّا يفرح أعداءهم ويضعف توحدهم. لذا فإنّ من أبرز مظاهر التولّي في مثل هذه الأيام أن يحفظ المؤمن لسانه وموقفه، فلا يكون سببًا في إثارة الفتن بين أفراد المجتمع، ولا ينجرف خلف التحريض والانقسام.

فالمؤمن يُظهر تولّيه لأهل البيت (عليهم السلام) بأن يكون مع الحقّ حيث كان، وأن يرفض الظلم والعدوان على الحق وأهله، وأن لا يكون ممن يبث الفرقة والفتنة بين المؤمنين، وأن يرجع في المواقف العامة إلى العلماء الذين عُرفوا بالفقه والبصيرة، لأنّهم الأعرف بكيفية تشخيص الموقف في أوقات الاضطراب.

وعليه، يتّضح أنّ التولّي والتبرّي في الظروف الحرجة والحساسة لا يكونان بالصوت المرتفع أو بالشعارات، بل بالثبات على نهج أهل البيت (عليهم السلام)، وبالتحلي بالحكمة والبصيرة، وبحفظ وحدة المؤمنين من الفتنة والتمزّق.

وإنّ أعظم ما يُظهر التولّي في مثل هذه الأيام والأوقات الحرجة أن يكون المؤمن عاملًا على حفظ الدين ووحدة المجتمع، وأن لا يسمح للفتن أن تجعل أهل البيت (عليهم السلام) سببًا للنزاع بين أتباعهم، وهم الذين كانوا دائمًا يأمرونهم بالتراحم والتعاطف والتآلف.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة