مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) معصومٌ في التبليغ وغيره

السائل أحمد عبد الله النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 8 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سؤالي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. بعض المسلمين يقولون: إنه معصوملإ في الأمور التبليغية فقط، وآخرون يقولون: إنه معصومٌ مطلقًا. أنا شخصيًّا أعتقد أنه معصومٌ في الأمور التبليغية. هل يمكنك أنْ تثبت مِن الكتاب والسُّنة أنه معصومٌ في التبليغ وغيره؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

عن دعوى من يقول: إنّنا مأمورون بالأخذ بالأمور التبليغية فقط؟! نسأل:

كيف يميِّز الناس في كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الوحي وغيره ليأخذوا بما هو وحيٌ، ويتركوا ما ليس كذلك؟!

فلا مناص من القول بعصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقًا، لعدم القدرة على التمييز بأنّ ما يقوله وحيٌ أو غيره!

ويدلّ على هذا الاعتقاد جملةٌ من الآيات القرآنية، نذكر بعضًا منها:

يقول تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْﵞ [النساء:59].

ففي هذه الآية الكريمة نجد أنّ الإطاعة مطلقةٌ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإطلاق يفهم منه الشمول لكلّ الحالات، سواءٌ التبليغية وغيرها.

وها هو الفخر الرازي يقول في تفسيره للآية الكريمة:

((إنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومَن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصومًا عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصومًا عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرًا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهيٌّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محالٌ، فثبت أنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنَّ كل من أمر اللهُ بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصومًا عن الخطأ)) [تفسير الرازي، ج10، ص44].

فهذا بيانٌ صريح من عالمٍ كبير من علماء أهل السُّنّة بأنّ الإطاعة المطلقة توجب العصمة.

وقال تعالى في سورة النجم: ﵟوَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم:3-4].

وهذه الآية أيضًا صريحةٌ بإطلاقها؛ إذ تؤكد أنَّ مطلق ما ينطق به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون عن هوىً، سواء كان تبليغًا أم غيره.

وقد دلّ على هذا المعنى – من عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة – أيضًا جملةٌ من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي رواها أهلُ السنّة أنفسُهم.

فقد روى أحمد في مسنده، وأبو داود في سُننه، والدارمي في سُننه، والحاكم في مستدركه، صحّحه، ووافقه عليه الذهبي، وابن كثير في تفسيره، وابن حجر في الفتح: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كلّ ما يسمعه من رسول الله’، فنهته قريش عن ذلك، وقالوا له: إنّك تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله بشرٌ، يتكلّم في الرضا والغضب، فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له: ((اكتب فو الّذي بعثني بالحقّ ما يخرج منه إلّا الحقّ، وأشار إلى لسانه)) [مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص162؛ سنن أبي داود، ج2، ص176؛ سنن الدارمي، ج1، 125؛ المستدرك على الصحيحين، ج1، ص186؛ تفسير ابن كثير، ج4، ص264؛ فتح الباري، لابن حجر، ج1، ص185].

فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ما يخرج منه إلّا الحقّ)) عامٌّ ومطلق، يشمل الحالات كلّها.

وليس هذا فحسب، بل ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه حتّى في حالات الممازحة والمداعبة لا يقول إلّا حقًّا، فقد قال له بعض أصحابه يومًا، وكان يداعبهم: فإنّك تداعبنا يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إنّي لا أقول إلّا حقًّا)) [سنن الترمذي، ج3، ص241، وحسّنه، ومجمع الزوائد، ج9، ص17، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن؛ والأدب المفرد، ص66].

قال المباركفوري في شرحه للحديث: ((«لا أقول إلّا حقًّا» أي: عدلًا وصدقًا، لعصمتي من الزلل في القول والفعل، ولا كلّ أحد منكم قادرٌ على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم)) [تحفة الأحوذي في شرح الترمذي، ج6، ص108].

وهكذا الحال في موضوع السّهو والنسيان، لا يمكن أن يصدر عن الأنبياء؛ لعدم قدرة الناس على التمييز بأنّ ما يأتيهم به الأنبياء صدر منهم حال الالتفات أو حال الغفلة والسهو والنسيان.

فلو أردنا أن نميّز بين حالة الالتفات وحالة السهو والنسيان عند الأنبياء فلا سبيل لنا لمعرفة ذلك إلّا منهم أنفسهم، فهم الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تخبرنا بأنَّ ما صدر منهم كان عن التفات أو نسيان أو سهو.

لكن هذا لازمُه عدم القطع بما يقولون؛ لاحتمال أنّ ما ذكروه لنا هو خطأ وسهو أيضاً، لفرض عدم القول بعصمتهم، فلا يكون لنا اطمئنانٌ بأقوال الأنبياء مطلقًا.. فكيف نحلّ هذه المعضلة؟!

لا طريق أمامنا سوى القطع بعصمتهم من كلّ ذلك، وبه يثبت المطلوب.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة