
هل كان منع تدوين الحديث من قبل الشيخين أبي بكر وعمر له مستندٌ شرعيٌّ، أقصد أن الرسول كان قد منع من تدوين حديثه، فسار على سنته الشيخان؟ أرجو الردّ.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
لا إشكال، ولا شبهة في أن منع تدوين الحديث لم يحصل من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل الوارد في أحاديث كثيرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر بتدوين حديثه مطلقًا، وفي مختلف الحالات، منها ما رواه الحاكم في مستدركه، وصححه، ووافقه عليه الذهبي أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كلّ ما يسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنهته قريش عن ذلك، وقالوا له: إنّك تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله بشرٌ، يتكلّم في الرضا والغضب، فذَكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: ((اكتب، فو الّذي بعثني بالحقّ، ما يخرج منه إلّا الحقّ، وأشار إلى لسانه)) [انظر: المستدرك على الصحيحين، ج1، ص186].
والمنع - كما هو معروف – قد حصل من الشيخين أبي بكر وعمر، فقد روى الذهبي في "تذكرة الحفاظ": ((أنّ الصدّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافًا، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرِّموا حرامه)) [تذكرة الحفاظ، ج1، ص2-3].
وهذا النهي من أبي بكر (فلا تحدِّثوا عن رسول الله)، والإحالة على القرآن فقط، كان قد حذّر منه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثٍ صحيح صريح، وهذا يعدّ من علامات نبوته’ التي كشف فيها بأنّ هناك من سيأتي بعده، وهو في موقع الحكم والمسؤولية، وسيمنع الناس من التحدُّث بحديثه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحيلهم على القرآن فقط.
فقد روى أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، وأبو داود في سننه، والبيهقي في سننه، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته، يحدِّث بحديثٍ من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرّمناه، ألا وإنّ ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله)) [مسند أحمد، ص130، ح17233؛ سنن ابن ماجة، ج1، ص6، سنن أبي داود؛ ج4، ص200؛ سنن البيهقي، ج9، ص331، الإحكام لابن حزم، ج2، ص210؛ صحيح الجامع الصغير وزيادته، ج2، ص1360].
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته)، يشي بصاحب النهي عن التحدث بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإحالة على القرآن، أنه في مقام الراحة والسيطرة، وهو كناية عن السلطة والتمكن، وقوله (يوشك) يكشف عن قرب حصول هذا الأمر بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي حصل بالفعل؛ إذ نهى الشيخان أبو بكر وعمر ـ بمجرد تسلُّمهما للسلطة ـ الناس عن التحدث بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا يحيلون الناس على القرآن فقط!!
روى الحاكم في مستدركه، وصححه، ووافقه الذهبي، بسنده عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أنّ عمر بن الخطاب، قال لابن مسعود ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: ((ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أصيب)) [المستدرك على الصحيحين، ج1، ص193، ح374، وح375].
وهنا نستحضر عقيدة أهل السُّنة بعدالة جميع الصحابة، ونسأل: لماذا هذا الإنكار على الصحابة في نشرهم لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الثقات العدول في نقلهم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب عقيدة أهل السُّنة والجماعة في عدالة الصحابة؟!!
فهل كان أو بكر وعمر يشكّان في نقل الصحابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!
أو كانا يعتقدان بأنّ السُّنة لا تنفع مع وجود القرآن، والحال أنّ السنّة النبوية تعدّ البيان للقرآن الكريم، بنصّ قوله تعالى: ﵟوَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْﵞ} [النحل:44].
وقد جاء الأمر الإلهي بالأخذ بها، كما في إطلاق قوله تعالى: ﵟوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُﵞ [الحشر:7]، فلماذا هذا التضييق على المتحدّثين بها والمبلِّغين لها للمسلمين؟!!
ولم يقف الأمر عند حبس الصحابة في المدينة ومنعهم من التحدث بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل تعدّاه إِلى طلب محوها، فقد جاء في "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر: ((أنّ عمر بن الخطاب كتب إِلى الأمصار: «من كان عنده شيءٌ منها فليمحُه»)) [جامع بيان العلم وفضله، ج1، ص65].
بل وجدنا ما يؤكد إصرار عمر بن الخطاب على محو السنّة النبوية وذلك لمّا طُعن، وأحسّ بدنوّ أجله، نادى ابنه عبد الله، فقال: ((يا عبد الله بن عمر ناولني الكتب، فلو أراد الله أن يمضي ما فيها أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها، فقال: لا والله لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده)) [الطبقات الكبرى، ج3، ص341؛ علوم الحديث ونصوص من الأثر، لعبد الرحمن الدوري، ص41].
ولكن من أين علم عمر بأنّ هذا الذي أراد الله عز وجل أن يمضيه إلا أنّه لم يمضِ؟!!.
فهذا التصريح من عمر ينسف كلّ التبريرات التي يحاول البعض طرحها في الاعتذار لعمر في محوه للسنّة، من خوف اختلاطها بالقرآن الكريم، أو اتكال الناس عليها وترك القرآن، ونحوها من الدعاوى التي لا تقنع أيّ محقّق وعالم.
فـ «عمر» يكشف هنا عن وجود شيء في هذه السنّة لم يقدّر الله له الإمضاء، وهو مصرٌّ على محوه من دنيا الوجود.. فمن أخبر عمر بأن الله لم يقدّر لهذا الشيء الإمضاء، فهل اطّلع على الغيب مثلًا، أو هي عقيدة تفسير وقوع الأشياء بالقدر، هذه العقيدة الخاطئة التي يتبناها المشركون وأهل الجاهلية حين يفسرون وقوع الأشياء خارجًا بأنّها قدر مقدور من الله، يقول تعالى: ﵟسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍﵞ [الأنْعَامُ:148].
فالمشركون يفسّرون حصول الأشياء خارجًا - وهو شركهم هنا - بأنّه قدر مقدورٌ من الله، فالله سبحانه هو من قدّر عليهم أن يكونوا مشركين، وإلّا كان له أن يمنعهم من الشرك .
وهذه هي عقيدة الجبر، وهي عقيدة باطلة، ردّها القرآن الكريم بصريح قوله تعالى: ﵟ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَﵞ( الأنْعَامُ: 148)
وقد يعتذر البعض عن الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب: بأنّهما امتثلا لنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المرويّ في الكتابة عنه!
نقول: لو سلّمنا بوجود مثل هذا النهي، فهو منسوخ بشهادة علماء أهل السنّة أنفسهم، قال ابن القيم في "تهذيب مختصر سنن أبي داود": ((قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذنُ متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه" يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها "الصادقة"، ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحُها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح)) [تهذيب مختصر سنن أبي داود، ج5، ص245].
وليس بعد الحق إلا الضلال.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
