مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

المرادُ من توبة الله على النّبيّ (صلى الله عليه وآله)

السائل مقدم زبن العلياوي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 342 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

{لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:117]. كيف يكون النبيّ معصومًا عصمةً مطلقة، والله بالقرآن يقول: لقد تاب الله على النبي صلى الله عليه وسلم؟!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

لا شكَّ، ولا ريبَ أنّ النّبيّ معصومٌ من الذنوب بالعصمة المطلقة، وقوله تعالى: ﵟلَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّﵞ إلى آخر الآية .. لا يعني أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد ارتكب ما يستوجب التوبةَ منه، إذ لا يوجد في معنى الآية أثرٌ للزلل أو المعصية، فهي تحصر الانحرافَ عن طريق الحق والتخلف عنه بجماعةٍ من المؤمنين، مع أنّها تصرِّح بأنّ الرحمة الإِلهية تعمّ الجميع، وهو بنفسه يبيّن أنّ توبة الله هنا ليست بمعنى قبول عُذر العباد، بل هي الرحمة الإِلهية الخاصّة التي أدركتِ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلَّ المؤمنين بدون استثناء في اللحظات الحساسة، وثبّتت أقدامهم في أمر الجهاد. [يُنظر: تفسير الأمثل، ج6، ص249-250].

وهي كما في قوله تعالى في سورة النساء بعد ذكر قسمٍ من الأحكام: ﵟيُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌﵞ [النساء: 26]، ففي هذه الآية والتي قبلها لم يرِد حديثٌ عن الزلل والمعصية، بل الكلام عن تبيين الأحكام والإِرشاد إِلى سنن الماضين القيِّمة المفيدة، وهذا بنفسه يوضح أنّ التوبة هنا بمعنى شمول رحمة الله سبحانه لعباده.

وكذلك المعنى في قوله تعالى عقيب ذكر القتل الخطأ: ﵟفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهﵞ [النساء:92]، حيث أن الذي يقتل خطأ لم يرتكب معصيةً يَلزمُه التوبةُ منها، فيكون معنى التوبة هنا التخفيف، وهو من مصاديق رحمة الله ورعايته لخلقه، قال القرطبي في تفسيره للآية: ((يعني تخفيفًا؛ لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئًا تلزمه التوبةُ منه))، ثم عرّج على بيان قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}، فقال: ((وإنْ لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبةَ منه)) [تفسير القرطبي، ج2، ص317].

هذا، وقد ورد في كتب اللغة أنّ أحد معاني التوبة الصحيح هو رجوعُ الله تعالى بالرحمة والرعاية على عباده، فقد جاء في (القاموس المحيط): ((وتاب الله عليه: ‌رجع ‌عليه ‌بفضله ‌وقبوله، وهو توّابٌ على عباده)) [القاموس المحيط، ص62].

وقال ابن عطيّة في (المحرَّر الوجيز): ((التوبة من الله رجوعُه بعبدِه من حالةٍ إلى أرفع منها... وهذه توبته في هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم)) [المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج3، ص92].

فمعنى توبةِ الله سبحانه رجوعُه بالرحمة والرعاية على عباده، قال الزركشي: ((‌التوبة ‌لغةً: الرجوع، ولا يلزم أن تكون عن ذنبٍ، وعليه يُحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - «إني لأتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة» [المنثور في القواعد الفقهية، لبدر الدين الزركشي، ج1، ص413.]

وها هو الخطيب الشربيني يوضِّح بأنّ معنى توبة الله على نبيِّه في الآية لا تعني صدور ما يستلزم التوبة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ناقلًا جواب أحد أكابر القوم، فقال: ((سُئل بعض أكابر القوم عن قوله تعالى {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ} من أيِّ شيء؟ فقال: نبَّه بتوبة مَن لم يذنب على توبةِ مَن أذنب» [الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للخطيب الشربيني، ج2، ص543].

وقال الكيا الهراسي في (أحكام القرآن): ((وقال الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}، وإن لم يكن من النبيِّ عليه السلام ما يوجب التوبة منه)) [أحكام القرآن للكيا الهراسي، ج1، ص72].

ومما تقدم يتضح أنْ لا ملازمة بين التوبة وارتكاب المعاصي، الأمر الذي شُبّه للسائل بوجودها بينهما، والواقع أنه لا دليلَ على وجود ذلك التلازم، فقد تكون التوبة مسببةً عن ارتكاب المعاصي، وقد تكون مسببةً عن ترك أمرٍ مستحب أو فعلٍ مكروه، وقد تكون مسببةً عن شعورٍ بالتقصير في طاعة وعبادة، إذن فليس كلما ذكرت توبة فهي مسببة عن فعل معصية وارتكاب مأثم.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة