
هل يحق او يجوز للمسلم ان لا ينتمي الى مذهب أو الى طائفه معينه من المسلمين؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
عدّ بعض علماء أهل السنة التمذهب أو التعبد بمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة، معصية لا طاعة، فقد قال ابن حزم في "الأحكام في أصول الأحكام": ((وأما من أخذ برأي أبي حنيفة أو رأي مالك أو غيرهما فقد أخذ بما لم يأمره الله تعالى قط بالأخذ به وهذه معصية لا طاعة)) [الأحكام في أصول الأحكام، ج6، ص59].
فالمولى سبحانه وتعالى أمر بالأخذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبيانات القرآن الكريم واضحة في ذلك، لقوله عزّ من قائل: ﵟوَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَﵞ [الأعراف:158]، ولقوله تعالى: ﵟفَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌﵞ [النّور:63]؛ ولقوله: ﵟقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُﵞ [آل عمران:31]؛ ولقوله سبحانه: ﵟلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَﵞ [الأحزاب:21].
فالله سبحانه أمر الناس باتباع رسوله والتأسي به، وبين أن الهداية في ابتاعه، وحذر من مغبة مخالفة أمره، فإذا كان كذلك فقد وجب على كلّ الأمة اتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أقواله وأفعاله، والتأسي به وعدم مخالفة أمره، وهذا أمر ثابت ومقطوع به.
فهلم الآن إلى ما ثبت صحيحا متواترا بين الفريقين – سنة وشيعة - من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيته لأمته من بعده، فقد روى الجم الغفير من الصحابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: ((إني تارك أو مخلف فيكم الثقلين، أو: الخليفتين. ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)) [الصواعق المحرقة، ص136].
وبعد إنعامك النظر في حديث الثقلين أدعوك لإنعام النظر – أيضاً - في حديث الفرقة الناجية، وهو حديث متواتر رواه علماء جمهور المسلمين عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: ((إنّ أُمّتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار)).
بعد ذلك ستخرج بنتيجة لا تقبل الخلاف والنقاش، وهي: أن الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة التي أشار إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هي الفرقة المتمسكة بالكتاب وعترته أهل بيته.
وقد تسأل: من هم أهل بيته الذين لن يضل من تمسك بهم؟
الجواب: لقد ثبت صحيحاً، بل متواتراً ان رسول (صلى الله عليه وآله) حدد المراد من أهل بيته عند نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، حيث جلل عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بكساء له (صلى الله عليه وآله) وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي"، فدل ذلك بنحو أبين من الشمس على أنه ليس هناك أحد غيرهم يشمله وصف أهل البيت.
فقد روى أحمد في مسنده وغيره بأسانيد ثلاثة شهد الشيخ شعيب الأرنؤوط بصحتها [انظر: مسند أحمد، ج44، ص119]، أنه عند نزول هذه الآية المباركة جلل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين بكساء له وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي".
وقال ابن تيمية في "منهاج السنة": ((وأما حديث الكساء فهو صحيح رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة. قالت: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا})) [منهاج السنة، ج5، ص13].
وقال الشوكاني في "إرشاد الفحول": "قد ورد بالدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين)) [إرشاد الفحول، ج1، ص222].
وقال أحمد بن محمد الشامي في "جناية الأكوع": ((وقد أجمعت أمهات كتب السنة وجميع كتب الشيعة على أن المراد بأهل البيت في آية التطهير النبي (ص) وعلى وفاطمة والحسن، لأنهم الذين فسر بهم رسول الله (ص) المراد بأهل البيت في الآية، وكل قول يخالف قول رسول الله (ص) من بعيد أو قريب مضروب به عرض الحائط، وتفسير الرسول (ص) أولى من تفسير غيره، إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربه)) [جناية الأكوع، ص125].
وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "اللهم هؤلاء أهل بيتي" يفيد الحصر بشكل واضح، ففي علم البلاغة أن تعريف الجزئين يفيد الحصر (راجع: الإتقان للسيوطي: ص583)، والجزأن هنا معرفة، الأول (هؤلاء) وهو إسم إشارة من المعارف، والثاني (أهل بيتي) مضاف ومضاف إليه وهو من المعارف أيضا، وهذا يعني أن هؤلاء هم أهل البيت المقصودون بآية التطهير وليس غيرهم.
قال الآلوسي في تفسيره: ((وأخبار إدخاله (ص) عليا وفاطمة وبنيها (رضي الله تعالى عنهم) تحت الكساء، وقوله (عليه الصلاة والسلام): "اللهم هؤلاء أهل بيتي" ودعائه لهم، وعدم إدخال أم سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصصة لعموم أهل البيت بأي معنى كان. فالمراد بهم من شملهم الكساء، ولا يدخل فيهم أزواجه)) [روح المعاني، ج22، ص14].
والأحاديث المتضمنة لهذا المعنى مستفيضة ان لم نقل متواترة، وهي أكثر من أن نحصيها.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
