
الرافضة يفترون على الله الكذب بمروياتهم التي فيها ما فيها من الغلو في أئمتهم فوصل بهم الأمر إلى ان جعلوهم حجة الله وكتاب الله ينطق بان لا حجة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) أ فتأخذون بالأساطير وتتركون كتاب الله؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
اعلم أن المراد من الحجّة هو: البرهان والدليل الّذي يقيمه الله لعباده، ويجعله الأساس في خصمهم ومحاسبتهم يوم القيامة إن جاؤوا بخلافه، وحجج الله تعالى كثيرة لا عـدّ ولا حصـر لها، وهي مختلفة حسب الموارد والاتّجاهات، فمن حيث تبليغ الشرائع والرسالات والدعوة إلى التوحيد وترك عبادة ما سواه جلّ وعلا، فحججه في ذلك: أنبياؤه ورسله (عليهم السلام)، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: ﵟ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﵞ [النساء:165].
ومن حيث الأدلّة على وجوده سبحانه، فحججه على عباده: آثاره من مخلوقاته، الّتي تبين لنا بدائع صنعته وأعلام حكمته، قال تعالى: ﵟسَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاْفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌﵞ [فصّلت:53].
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المسمّاة بـ: "خطبة الأشباح": ((وأرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يُقيمها بمساك قوّته، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته، فظهرت البدائع الّتي أحدثها آثارُ صنعته، وأعلامُ حكمته ; فصار كلّ ما خلقَ حجّةً له ودليلا عليه، وإن كان خلقاً صامتاً، فحجّته بالتدبير ناطقة، ودلالتُهُ على المبدع قائمة)) [نهج البلاغة، تعليق الشيخ محمّـد عبـده، ج1، ص164].
وعن الإمام أبي عبـد الله الصادق (عليه السلام): ((الصورة الإنسانية هي أكبر حجّة لله على خلقه، وهي الكتاب الّذي كتبه الله بيده)) [التفسير الصافي، ج1، ص92].
وقد ورد أنّ العقل حجّة الله على خلقه انظر: [شرح أُصول الكافي، ج1، ص306، والفصول في الأُصول، ج1، ص377]، كما أنّ القرآن حجّة الله على خلقه، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: ((فالقرآن آمرٌ زاجر، وصامتٌ ناطق، حُجّة الله على خلقه)) [نهج البلاغة، تعليق الشيخ محمّـد عبـده، ج2، ص111؛ شرح أُصول الكافي، ج11، ص6].
فكذلك أهل البيت (عليهم السلام) حجج الله على خلقه؛ لِما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في حقّهم: ((إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله ، حبل ممدود ما بين الأرض والسماء، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض)) (صحيح الجامع الصغير، للألباني، ج1، ص482].
وورد بلفظ: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)) [مختصر صحيح الجامع الصغير، للسيوطي والألباني، رقم الحديث: 1726- 2458].
فقد قرن هذا الحديث، المعروف بحديث الثقلين، أهل البيت بالكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعل التمسّك بهما معاً عاصماً من الضلالة، وأخبر بتلازم أهل البيت والكتاب وعدم افتراقهما إلى يوم القيامة.
فإذا كان التمسّك بالقرآن ـ الّذي هو حجّة الله على خلقه ـ هو الأخذ بتعاليمه وأحكامه، فكذلك يكون التمسّك بمَن جُعلوا عِدلاً له وقرناء، وهذا معنى كونهم: "حجج الله".
قال الدهلوي في (التحفة الاثنا عشرية): ((هذا الحديث - أي: حديث الثقلين- ثابت عند الفريقين: أهل السنّة والشيعة, وقد علم منه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرنا في المقدّمات الدينية والأحكام الشرعية بالتمسّك بهذين العظيمين القدر, والرجوع إليهما في كلّ أمر, فمن كان مذهبه مخالفاً لهما في الاُمور الشرعية اعتقاداً وعملاً فهو ضال, ومذهبه باطل لا يعبأ به, ومن جحد بهما غوى, ووقع في مهاوي الردى)) [اُنظر: مختصر التحفة الاثني عشرية، ص52، والدهلوي هو شاه عبد العزيز (1159 - 1239) كبير علماء الهند من أهل السنّة في عصره].
وقال التفتازاني بعد أن ذكر الحديث: ((ألا يرى أنّه (صلى الله عليه وسلم) قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسّك بهما منقذاً عن الضلالة، ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلا الأخذ به بما فيه من العلم والهداية، فكذا في العترة)) [شرح المقاصد، ج3، ص529].
وقد ورد ذكر أهل البيت (عليهم السلام) كونهم حجج الله في أحاديث صريحة روتها بعض كتب أهل السنة فضلا عن تواترها عندنا، نذكر منها:
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أنا وهذا ـ يعني عليّاً ـ حجّة على أُمّتي يوم القيامة)) [كنز العمّال، ج11، ص620، عن الخطيب، عن أنس؛ وتاريخ مدينة دمشق، ج42، ص309؛ وسبل الهدى والرشاد، ج11، ص292].
ومنها، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أنا وعليّ حجّة الله على عباده)) [تاريخ مدينة دمشق، ج42، ص309؛ وذيل تاريخ بغداد، ج4، ص66، وفيه: "أنا وأنت حجّة الله تعالى على خلقه يوم القيامة"].
وأخرج الطبري الشافعي في كتابيه "ذخائر العقبى" و "الرياض النضرة": ((عن أنس بن مالك، أنّه قال: كنت عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى عليّاً مقبلا، فقال: يا أنس! قلت: لبيك. قال: هذا المقبل حجّتي على أُمّتي يوم القيامة)) [الرياض النضرة، ج3، ص159؛ وذخائر العقبى، ص77؛ وجواهر المطالب، ص193].
ومـنها: ما رواه الخوارزمي الحـنفي من كتابه "مقتل الحسـين": أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للحسين (عليه السلام): ((أنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسـعة، تاسـعهم قائمهم)) [مقتل الحسين، ص145 وص146].
وفي هذا المعنى - أي كون أئمة أهل البيت هم حجج الله على خلقه - ينقل ابن كثير في "البداية والنهاية" عن يحيى بن سلامة الشافعي الحصكفي ـ من أئمّة الفقه والأدب ـ قوله:
وسـائلي عن حبّ أهل البيت هل أُقرّ إعلاناً به أم أجحدُ؟!
هيهات! ممزوج بلحمي ودمي حـبّهم وهـو الهدى والرشدُ
حيدرة والـحـسنان بـعـده ثمّ عـليّ وابـنه مـحـمّـدُ
وجعـفر الصادق وابن جعفر مـوسـى ويتلوه عليّ السيّدُ
أعني الرضـا ثمّ ابنه محمّـد ثمّ عـليّ وابـنـه الـمسدّدُ
والحـسن الثـاني ويتلو تلوه محمّد بـن الـحـسن المفتقدُ
أئـمّة أكـرم بــهـم أئـمّة أسـمـاؤهـم مسرودة تطردُ
هـم حـجـج الله على عباده وهـم إلـيه منهج ومقصدُ. [البداية والنهاية، ج12، ص298].
ولا أدري لِمَ يستكثر السائل على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أن يكونوا حجج الله تعالى على خلقه، وهم عِدل القرآن الكريم، كما نصّ على ذلك حديث الثقلين المتظافر المشهور، بعد أن استساغ لقومه وعلماء مذهبه أن يطلقوا هذا اللفظ "حجّة الله" على مَن هو دونهم في العلم والفضل وممن لا نصّ فيهم، كـ: مالك بن أنس الأصبحي، وأحمد بن حنبل، وأبي عليّ الثقفي، وابن تيمية، وأبي إسحاق الشيرازي، وغيرهم، وإليك الدليل:
قال ابن حجر في "التهذيب": قال حرملة: ((عن الشافعي، قال: مالك حجّة الله تعالى على خلقه بعد التابعين)) [تهذيب التهذيب، ج10، ص8].
وروى ابن نقطة الحنبلي في "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" قوله: ((... حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبان الحبراني، قال: سمعت علي بن المديني يقول: أحمد بن حنبل أبو عبد الله اليوم حجة الله على خلقه)) [التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، ص159].
ويقول شمس الدين الدمشقي الحنبلي (ت 744هـ): ((قرأت بخط الشيخ كمال الدين أيضا على كتاب بيان الدليل على إبطال التحليل لشيخنا وقد ذكر ترجمته فقال من مصنفات سيدنا وشيخنا وقدوتنا الشيخ السيد الإمام العلامة الأوحد البارع الحافظ الزاهد الورع القدوة الكامل العارف تقي الدين شيخ الإسلام ومفتي الأنام سيد العلماء قدوة الأئمة الفضلاء ناصر السنة قامع البدعة حجة الله على العباد راد أهل الزيغ والعناد أوحد العلماء العاملين آخر المجتهدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن محمد بن تيمية الحراني))
وروي الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن أبي العبّـاس الزاهد قوله: ((كان أبو عليّ (الثقفي) في عصـره حجّة الله على خلقه)) [سير أعلام النبلاء، ج15، ص282].
ويروي كذلك عن أبي بكر الشاشي قوله: ((أبو إسحاق (الشيرازي) حجّة الله على أئمّة العصـر)) [سير أعلام النبلاء، ج18، ص455].
وقال السخاوي مترجما للبخاري صاحب الصحيح: ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن يودزبة: الإمام العلم حجة الله في أرضه على خلقه أبو عبد الله بن أبي الحسن الحققي مولاهم البخاري صاحب الصحيح)) [التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، ج2، ص448].
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
