
في سورة القصص الآية ٣٨ قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} هناك من المُجسِّمة مَن طرح عليَّ هذا الإشكال، إلا وهو أنّ الله جلّ وعلا في السماء حسب نصّ الآية (ابنِ لي صرحًا لعلّي اطَّلع إلى إله موسى وإني لأظنُّه من الكـاذبين) ما ردُّ جنابكم الكريم على ذلك؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لا شكّ أنّ هذه الشُّبهة التي يثيرها المجسِّمة تكشف عن جهلِهم بأساليب البيان القرآنيّ، فضلًا عن افتقارهم إلى البصيرة العقليّة التي تميِّز بين المحكَم والمتشابه؛ إذ إنهم يتعاملون مع كلام الله كما لو كان خطابًا بشريًّا خاليًا من البلاغة والاستعارات، غير مدركين أنّ القرآن الكريم أُنزِل بلسانٍ عربيٍّ مبين، وأنه يتضمَّن أساليب بيانيّة لا يفهمها إلا من كان له قلبٌ أو ألقى السمع، وهو شهيد.
إنّ هذه الآية التي يستدلّون بها، وهي قول الله تعالى: ﵟوَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَﵞ [القصص:38]، هي في واقع الأمر ليستْ إلا حكايةً عن كلام فرعون الطاغية الذي ادّعى الألوهيّة، وكذّب برسالة نبيّ الله موسى (عليه السلام).. فهل يُعقل أنْ يُتَّخذ كلامُ فرعون حجةً في التوحيد؟ وهل صار هذا الطاغية إمامًا في العقيدة حتى يُستند إلى أقواله في إثبات الجسميّة لله سبحانه وتعالى؟!
إنَّ هذا لَمِن أعجب العجَب؛ إذ إنّ منطق هؤلاء المجسِّمة يقتضي أنْ نجعل فرعون مرجعًا في معرفة الله تعالى، مع أنّ القرآن الكريم يصفه بالكذب والطغيان والفساد.
وإذا تأمَّلنا في مضمون الآية، وجدنا أنّ فرعون لم يكن جادًّا في بحثه عن الإله، وإنما كان يسخر من دعوة موسى (عليه السلام) ويحاول تضليل قومِه بعباراتٍ خطابيّةٍ ظاهرها الجدّ، وباطنها السخرية والاستهزاء، فهو الذي قال لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}، وهو الذي أمر هامان ببناء صرحٍ ليطّلع إلى إله موسى (عليه السلام)، وكأنه يريد أنْ يوهم الناس بأنّ موسى (عليه السلام) يتحدَّث عن إلهٍ مادّيٍّ يمكن الوصول إليه ببناء برجٍ عالٍ، وعلى رغم ذلك فإنّ هؤلاء المجسِّمة - على جهلهم - أخذوا هذه السخرية الفرعونيّة، وجعلوها برهانًا على عقيدتهم الفاسدة في أنّ الله تعالى في السماء!
إنّ هذا الفهم الساذج يتناقض تمامًا مع المبادئ العقليّة التي توجب تنزيه الله سبحانه عن الحدود والجهات؛ إذ لو كان الله سبحانه وتعالى في السماء - كما يزعم هؤلاء - للزم أنْ يكون محدودًا بمكانٍ، وكلّ محدود محتاجٌ إلى من يحدّه، والمحتاج مخلوقٌ، ولا يكون إلهًا.. ولو كان في جهة، للزم أنْ يكون فوقه شيءٌ، وتحته شيء، ولصار محصورًا في نطاقٍ معيَّن، في حين أنّ القرآن الكريم يقول: ﵟلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌﵞ [الشورى:11]، مما يدلّ بوضوحٍ على أنه لا يُشبه المخلوقات في شيءٍ، لا في الجسميّة، ولا في المكان، ولا في الحدود.
وإذا كان العقل يقضي بأنَّ الله سبحانه منزّه عن الجهة، فإنّ النقل أيضًا يؤكِّد ذلك، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ((كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان)) [الفَرق بين الفِرق، للنوبختي، ص292]، مما يعني أنّ الله سبحانه لم يكن محتاجًا إلى مكانٍ قبل خلْق السماوات والأرض، ولا يحتاج إلى مكانٍ بعدها، وإلا لكان قابلًا للتغيُّر، والتغيُّر من صفات المخلوقين. كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((مَن زعم أنّ الله في شيءٍ، أو من شيء، أو على شيء فقد أشرك؛ لأنه إنْ كان في شيءٍ فقد حُدَّ، وإنْ كان على شيء فقد حُمِل، وإنْ كان من شيء فقد حُدِث)) [التوحيد، للشيخ الصدوق، ص178]، وهذا برهانٌ قاطع على أنّ القول بأنّ الله سبحانه في السماء ليس إلّا صورةً من صور الشرك؛ لأنه يستلزم التجسيم، والتجسيم يقتضي المحدوديّة، والمحدوديّة تنافي الألوهية.
إنّ الذي أوقع المجسِّمة في هذا الضلال هو تأثُّرهم بالعقائد الدخيلة، فقد كان اليهود أول من قال: إنّ الله جسم، وأدخلوا هذه الفكرة في تراث بعض الفِرق الإسلاميّة المنحرفة، حتى صار بعضهم ـ وعلى رأسهم ابن تيمية ـ يقول: ((إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجةً من درج المنبر)) [رحلة ابن بطوطة، ج1، ص128، ط. أكاديمية المملكة المغربية]، وإنه يستقرّ فوق العرش كما تستقرّ الأجسام. [يُنظر: العلوّ، للذهبي، ص267]، غير منتبهين إلى أنهم بذلك ينسبون إلى الله تعالى صفات المخلوقين، ويجعلونه شبيهًا بعباده، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وخلاصة الأمر أنّ هذه الآية الكريمة ليست إلا نقلًا لكلام فرعون المستهزئ، وليست تقريرًا لعقيدةٍ صحيحة، وأنّ القول بأنّ الله سبحانه في السماء قولٌ باطلٌ عقلًا ونقلًا، وهو في حقيقته تكرارٌ لما قاله فرعون قديمًا، وكأنّ المجسِّمة اليوم يعيدون الكلمات نفسها، ولكنْ بثوبٍ جديد.. فالحقّ كلّ الحقّ مع القرآن الكريم الذي ينفي عن الله تعالى التشبيه، ومع العقل الصريح الذي يوجب تنزيهه عن الحدود، ومع أهل البيت (عليهم السلام) الذين قالوا كلمة الفصل في رفض التجسيم والجهة، وليس مع هؤلاء الذين لم يفهموا من كلام الله سبحانه إلا ما فهِمه فرعون نفسه، وهو الجهل بعظمة الله عزّ وجلّ وحقيقته المطلقة.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
