مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل صعوبة فهم القرآن تدلّ على أنّه ليس للناس جميعًا؟

السائل خالد النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 50 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما دام أكثر الناس يعجزون عن الفهم الصحيح لآيات القرآن، فكيف يُحتجّ عليهم ‏بالقرآن؟ فهذا حقيقة يوحي أنه نزل لجماعة خاصة تفهمه لا لكل الناس.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحَ الظلام، ‏وهداةَ الأنام.‏

دعوى أنّ القرآن الكريم لا يُفهم إلا من فئةٍ مخصوصة، وأنّه مُغلقٌ على عامّة الناس، دعوى لا ‏تستقيم مع نصوصه ولا مع سنّة إنزاله.‏

فإنّ تعثّرك في فهم بعض الآيات لا ينهض حجّةً على انسداد باب الفهم على الناس كافة، إذ ‏التجربةُ الشخصيّة لا تُعمَّم، كما أنّك تجد من الآيات ما تفهمه بوضوح، ويجد غيرك من العلم ‏واللغة والسياق ما يفتح له ما استعصى عليك. والقرآنُ ـ بنصّه ـ دستورُ الهداية العامّة، أنزله اللهُ ‏سبحانه للناس أجمعين، فقال: ﵟشَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِﵞ [البقرة:185]. ‏فلو كان فهمه موقوفًا على فئةٍ بعينها لكان الأمرُ بالاهتداء به تكليفًا بما لا يُطاق، وحاشا الحكيمَ ‏سبحانه أن يكلّف بما لا يُفهم ولا يُدرَك.‏

وعلى هذا النهج خاطب الجميع بقوله: ﵟأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَﵞ [النساء:82]، ولم يخصّ العلماء ‏دون غيرهم؛ لأنّ أصلَ التدبّر متيسّر، ثم تتفاوت مراتبه بتفاوت الملكات والاستعدادات.‏

وهذا المعنى تشهد له سيرةُ التنزيل؛ فقد نزل القرآنُ الكريم في بيئةٍ يغلب عليها طابعُ البساطة، ‏لا جامعات فيها ولا معاهد، ومع ذلك تحدّاهم ربُّ العالمين بالإعجاز والبيان، وطلب منهم ‏الإتيانَ بمثله أو بسورةٍ من مثله. ولو كان مغلقًا عليهم من حيث الفهم لكان الاعتراضُ الأوّل أن ‏يقولوا: كيف نتحدّى بكتابٍ لا نفقه معانيه؟ ولم يُنقل ذلك عنهم؛ بل شهدوا في نفوسهم بسطوة ‏بيانه، وإن جحدته ألسنتهم.‏

ومن هنا جاء التصريحُ بالتيسير: ﵟوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍﵞ [القمر:17]، وﵟفَإِنَّمَا ‏يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَﵞ [الدخان:58]، وﵟإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُﵞ ‏‏[الإسراء:9]. والتيسيرُ هنا أصلٌ عام، يُثبت إمكانَ الفهم والهداية، ثم تبقى طبقاتُ المعاني ‏ودرجاتُ التدبّر في الآيات على قدر القابليات والملكات.‏

نعم، في القرآن محكمٌ ومتشابه، وناسخٌ ومنسوخ، ومجالاتٌ تحتاج إلى مزيد بيان؛ ولهذا جعل ‏اللهُ عزّ وجلّ أهلَ البيت (عليهم السلام) عدلَ الكتاب وترجمانَه، يردّون المتشابه إلى المحكم، ‏ويُقيمون القواعد في الفهم الصحيح، وقد وصلنا من بيانهم الشيء الكثير، فمن رام الغوص في ‏الأعماق استضاء بأنوارهم، ومن قصد الهدايةَ العامّة وجدها ـ بفضل الله ـ ميسّرةً لكل قارئٍ ‏ومتدبّر.‏

وخلاصةُ القول، إنّ القرآن الكريم كتابٌ مفتوحٌ للناس كافة من حيث أصلُ الفهم والاهتداء، وهو ‏حجّةٌ على الجميع، ثم تتفاوت مراتبُ الإدراك بحسب القابليات والملكات. ومن أراد الكمالَ في ‏الفهم فطريقُه الرجوعُ إلى أهل البيت (عليهم السلام) وقواعدهم، وبذلك يلتئم الأمر ولا تعود ‏شبهةُ الانسداد قائمة.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين ‏المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة