
لا يزال ديدن علماء الأمة في تثبتهم ومعرفتهم لرواتهم المعرفة التفصيلية، خصوصًا لكبار الرواة حتى أن أكثر كتب التراجم عند أهل السنة والجماعة تذكر تاريخ وفيات الرواة، وهذا ما لا يوجد في مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين، مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.
أولًا: هذا الإطلاق في قول المستشكل: (ولا زال هذا ديدن علماء الأمة) مجازفةٌ لا يشهد لها الواقع؛ فإنّ استقراء كتب الرجال والتراجم عند أهل السنّة يكشف أنّ تواريخ الوفيات لم تُذكر على نحوٍ مطّرد، بل وقع فيها اختلاف واضطراب.
ففي ترجمة معاذ بن خالد بن شقيق العبدي مثلًا، نجد المِزّي يقول: ((ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات قبل المئتين. كذا قال، والأشبه أن يكون مات بعد المئتين، والله أعلم)) [تهذيب الكمال، ج28، ص119].
وفي ترجمة يحيى بن أبي بكير يقول: ((وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات بعد المئتين. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة ثمان ومئتين. وقال عبد الباقي بن قانع: مات سنة تسع ومئتين)) [تهذيب الكمال، ج31، ص248]..
أفلا يُعدُّ هذا التناقضُ الصريحُ كافيًا في إسقاط دعوى الاطراد؟ فكيف يصحّ أن يُقال: (هذا ديدن علماء الأمة)؟! بل الحقّ أنّ ما ذكره إنما هو طابعٌ جزئيّ في بعض الأعلام، لا قاعدةٌ عامةٌ مضطردة.
ثانيًا: ما ادّعاه من (المعرفة التفصيلية) في حقّ الرواة عندهم دعوى لا تسندها البيّنات؛ إذ لو كانت معرفتُهم تفصيليةً لذُكر تاريخ وفاة كل راوٍ بلا استثناء، ولكنّ الواقع يُكذّب ذلك، ففي ترجمة عمرو بن الهيثم بن قطن مثلًا، نجد ابن حجر يقول: ((ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات بعد المائتين. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وتسعين ومائة)) [تهذيب التهذيب، ج8، ص114].
وفي ترجمة محمد بن سعد الأنصاري نجده يقول أيضاً: ((قال البخاري: مات قبل المائتين. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات بعد المائتين)) [تهذيب التهذيب، ج9، ص184].
فأيّ معرفةٍ تفصيليةٍ هذه التي تضطرب بين قبل المائتين وبعدها؟!
ثالثًا: أمّا زعمه أنّ (هذا ما لا يوجد في مذهب الشيعة) ففيه تغافلٌ بيّن؛ لأنّ الإمامية لم يهملوا هذا الباب، بل دوّنوا الوفيات في مواضع متعددة ضمن كتب التاريخ والسير والطبقات، واستكملوا ما فات في مصنفات المتأخرين.. ويكفي أن نطالع الموسوعات الحديثة كـ معجم رجال الحديث للسيد الخوئي (قدّس سرّه)، إذ لم يترك موردًا يتعلق به فائدةٌ زمنيةٌ إلا نبّه عليه.
رابعًا: المقارنة التي عقدها المستشكل مقارنةٌ باطلة، لأنّ كلّ مدرسةٍ لها غرضُها ومنهجُها، فإلزامُ الإمامية بما التزمه أهلُ السنّة في مسارهم ليس من الإنصاف، بل هو من قياس المختلفات.. فكما لا يُعاب على النحوي أنّه لم يكتب في العَروض، كذلك لا يُعاب على الإمامي أنّه لم يركّز على الوفيات في مصنفات مستقلة، ما دام ذلك ليس من أصول منهجه.
خامسًا: المفارقة أنّ الإمامية - حيث استعملوا التاريخ - استعملوه في إطارٍ أوسعَ وأدقّ، من خلال ربط الراوي بطبقة إمامٍ معيّن، أو تحديد طبقته بشيوخه وتلامذته، وهذا يغني عن ذكر السنة والشهر أحيانًا.. فبدلًا من الاقتصار على قولهم: (مات سنة كذا)، يقولون: (كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وروى عن الكاظم (عليه السلام) أيضًا)، وهذا يحدّد الطبقة بدقّةٍ أكبرَ من مجرّد سنة الوفاة.
والنتيجة المتحصلة: أنّ القول بأنّ (ذكر الوفيات ديدن علماء الأمة) دعوى عريضةٌ تُكذّبها نصوصُهم أنفسُها، حيث وقع فيها الاضطرابُ والتناقضُ بين قبل المائتين وبعدها، بل حتى في سنةٍ بعينها.
وأمّا القول بأنّ الشيعة خلت كتبهم من ذلك فتهويلٌ لا حقيقة له، لأنّهم أثبتوا الوفيات حيث احتيج إليها، واستكملوا ما فات في مدوّناتهم اللاحقة، والمقارنةُ في أصلها قياسٌ مع الفارق، ناشئٌ من جهلٍ أو تجاهلٍ لطبيعة منهج الشيعة الإمامية.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
