مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل خلت كتب الشيعة من ذكر وفيات الرواة؟

السائل د. أسعد ‏الجنابي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 51 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لا يزال ديدن علماء الأمة في تثبتهم ومعرفتهم لرواتهم المعرفة ‏التفصيلية، ‏خصوصًا ‏لكبار الرواة حتى أن أكثر كتب التراجم عند أهل السنة والجماعة تذكر ‏تاريخ وفيات الرواة، ‏وهذا ما لا ‏يوجد في مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين، مصابيحِ ‏الظلام، ‏وهُداةِ الأنام.‏
أولًا: هذا الإطلاق في قول المستشكل: (ولا زال هذا ديدن علماء الأمة) مجازفةٌ لا يشهد ‏لها ‏الواقع؛ فإنّ ‏استقراء كتب الرجال والتراجم عند أهل السنّة يكشف أنّ تواريخ الوفيات لم ‏تُذكر ‏على نحوٍ ‏مطّرد، بل وقع فيها اختلاف واضطراب. ‏
ففي ترجمة معاذ بن خالد بن شقيق العبدي مثلًا، نجد المِزّي يقول: ((ذكره ابن حبان في الثقات ‏وقال: مات قبل المئتين. كذا قال، والأشبه أن يكون مات بعد المئتين، والله أعلم)) ‏[تهذيب ‏الكمال، ج28، ص119].‏
وفي ترجمة يحيى بن أبي بكير يقول: ((وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات بعد المئتين. ‏وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة ثمان ومئتين. وقال عبد الباقي بن قانع: مات سنة ‏تسع ومئتين)) ‏[تهذيب الكمال، ج31، ص248].. ‏
أفلا يُعدُّ هذا التناقضُ الصريحُ كافيًا في إسقاط دعوى الاطراد؟ فكيف يصحّ أن يُقال: (هذا ديدن ‏علماء الأمة)؟! بل الحقّ أنّ ما ذكره إنما هو طابعٌ جزئيّ في بعض الأعلام، لا قاعدةٌ عامةٌ ‏مضطردة.‏
ثانيًا: ما ادّعاه من (المعرفة التفصيلية) في حقّ الرواة عندهم دعوى لا تسندها البيّنات؛ ‏إذ ‏لو ‏كانت معرفتُهم تفصيليةً لذُكر تاريخ وفاة كل راوٍ بلا استثناء، ولكنّ الواقع يُكذّب ذلك، ففي ‏ترجمة عمرو بن الهيثم بن قطن مثلًا، نجد ابن حجر يقول: ((ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ‏مات بعد المائتين. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وتسعين ومائة)) ‏[تهذيب التهذيب، ج8، ‏ص114].‏
وفي ترجمة محمد بن سعد الأنصاري نجده يقول أيضاً: ((قال البخاري: مات قبل المائتين. ‏وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات بعد المائتين)) ‏[تهذيب التهذيب، ج9، ص184].‏
فأيّ معرفةٍ تفصيليةٍ هذه التي تضطرب بين قبل المائتين وبعدها؟!‏
ثالثًا: أمّا زعمه أنّ (هذا ما لا يوجد في مذهب الشيعة) ففيه تغافلٌ بيّن؛ لأنّ الإمامية لم يهملوا ‏هذا الباب، ‏بل ‏دوّنوا الوفيات في مواضع متعددة ضمن كتب التاريخ والسير والطبقات، ‏واستكملوا ما فات ‏في ‏مصنفات المتأخرين.. ويكفي أن نطالع الموسوعات الحديثة كـ معجم ‏رجال الحديث للسيد الخوئي (قدّس سرّه)، إذ لم يترك ‏موردًا يتعلق به فائدةٌ زمنيةٌ إلا نبّه عليه.‏
رابعًا: المقارنة التي عقدها المستشكل مقارنةٌ باطلة، لأنّ كلّ مدرسةٍ لها غرضُها ‏ومنهجُها، ‏فإلزامُ ‏الإمامية بما التزمه أهلُ السنّة في مسارهم ليس من الإنصاف، بل هو من ‏قياس ‏المختلفات.. فكما ‏لا يُعاب على النحوي أنّه لم يكتب في العَروض، كذلك لا يُعاب على ‏الإمامي ‏أنّه لم يركّز على ‏الوفيات في مصنفات مستقلة، ما دام ذلك ليس من أصول منهجه.‏
خامسًا: المفارقة أنّ الإمامية - حيث استعملوا التاريخ - استعملوه في إطارٍ أوسعَ ‏وأدقّ، ‏من ‏خلال ربط الراوي بطبقة إمامٍ معيّن، أو تحديد طبقته بشيوخه وتلامذته، وهذا يغني ‏عن ‏ذكر ‏السنة والشهر أحيانًا.. فبدلًا من الاقتصار على قولهم: (مات سنة كذا)، يقولون: ‏‏(كان ‏من ‏أصحاب الصادق (عليه السلام)، وروى عن الكاظم (عليه السلام) أيضًا)، وهذا يحدّد ‏الطبقة ‏بدقّةٍ ‏أكبرَ من مجرّد سنة الوفاة.‏
والنتيجة المتحصلة: أنّ القول بأنّ (ذكر الوفيات ديدن علماء الأمة) دعوى عريضةٌ ‏تُكذّبها ‏نصوصُهم ‏أنفسُها، حيث وقع فيها الاضطرابُ والتناقضُ بين قبل المائتين وبعدها، بل ‏حتى في ‏سنةٍ بعينها. ‏
وأمّا القول بأنّ الشيعة خلت كتبهم من ذلك فتهويلٌ لا حقيقة له، لأنّهم أثبتوا الوفيات ‏حيث ‏احتيج ‏إليها، واستكملوا ما فات في مدوّناتهم اللاحقة، والمقارنةُ في أصلها قياسٌ مع ‏الفارق، ‏ناشئٌ من ‏جهلٍ أو تجاهلٍ لطبيعة منهج الشيعة الإمامية.‏
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين ‏الطاهرين ‏المعصومين المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة