مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

حديثُ الثقلين حجّةٌ دامغة على بقاء الإمام المهديّ المنتظر

السائل سلام عطاء النشر القراءة 8 دقيقة المشاهدات 320 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

المهديُّ ‏الموعود في الأحاديث والروايات هو الذي سيولد في آخر الزمان، وبعض القائلين بولادة الإمام محمد بن الحسن العسكري من أهل السنة ‏كالشبراوي الشافعي وغيره أنكروا أن يكون هو المهدي المنتظر.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

يرتبط إنكار كون الإمام محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر (عليه السلام) ارتباطًا وثيقًا ببطلان حديث الثقلين، ففي هذا الحديث الصحيح الثابت المتواتر، يُؤكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بقاء العترة الطاهرة مع القرآن الكريم متلازمَين إلى يوم القيامة، حيث قال: ((... وأنهما لن يتفرقا ‏حتى يردا عليّ الحوض))، وقد أكّد علماء أهل السنة أنفسهم على المعنى المقصود من هذا الحديث، وهو بقاء العترة الطاهرة والقرآن الكريم حاضرين في كل زمان ومكان.

حيث يؤكد المناوي الشافعي في كتابه "فيض القدير"، وابن حجر المكي في كتابه "الصواعق المحرقة"، على حتمية وجود فردٍ من أهل البيت الطاهر (العترة) في كل زمان إلى قيام الساعة، وأنّهم أمانٌ للأرض، فقال المناوي عند تعرضه لحديث الثقلين: ((تنبيه: قال الشريف ‌‏- يقصد الحافظ السمهودي -: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلًا للتمسُّك به من أهل ‏البيت والعترة الطاهرة في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجَّه الحثُّ المذكور إلى التمسُّك به ‏كما أن الكتاب كذلك؛ فلذلك كانوا أمانًا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض)) [فيض القدير، ج3، ص15، ط. الأولى، ١٣٥٦هـ].

وقال ابن حجر المكي في صواعقه: ((وفي أحاديث الحثِّ على التمسُّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّلٍ منهم للتمسُّك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك؛ ولهذا كانوا ‌أمانًا ‌لأهل ‌الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق «في كل خلَفٍ من أمتي عدول من أهل بيتي» إلى آخره)) [الصواعق المحرقة، ج2، ص442].

وعليه فالقول بوفاة الإمام محمد بن الحسن العسكري، وأنه ليس هو المهدي الموعود في آخر الزمان، معناه حصول الافتراق بين ‏القرآن والعترة، وهذا بالنتيجة يفضي إلى بطلان حديث الثقلين الثابت عند الفريقين بفقرته ‏الصحيحة السند التي تنص على: ((أنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليَّ الحوض)) [صحيح الجامع الصغير للألباني، ج1، ص482، مسند أحمد بن حنبل، رقم الحديث: 21654، ‏تصحيح شعيب ‏الأرنؤوط].‏

وهو قولٌ مردود قطعًا، لا سيما بعد نصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّ المهدي هو من عترته خاصة. [يُنظر: صحيح الجامع الصغير، ج2، ص1140].

ولم يتّفق المسلمون على إمامة وجلالة أحدٍ من العترة لا ‏يفارقون القرآن، ولا يفارقهم سوى هؤلاء الاثني عشر، فدعوى أنّ المهديّ المنتظر سيولد بعد ‏ذلك، مع نصّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه من العترة وأنّ العترة لا تفارق القرآن، ولا يفارقها القرآن إلى يوم ‏القيامة، لا محصّل لها. ‏

علاوة على ذلك، وجدنا من علماء أهل السنّة والجماعة من ينصّ على أنّ الإمام محمد بن الحسن ‏العسكري هو المهدي المنتظر نفسه، منهم:  ‏

‏1- محيي الدين بن عربي (تـ 638هـ)، على ما نقله عنه الشعراني الشافعي في "اليواقيت والجواهر"، ‏حيث قال: ((وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات‌‏: واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهديّ عليه السلام، ولكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورًا ‏وظلمً،ا فيملؤها قسطًا وعدلًا، ولو لم يكن من الدنيا إلّا يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم ‏حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من ولد فاطمة ‏عليها السلام، وجدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده حسن العسكري ابن الاِمام علي النقي...)) [اليواقيت والجواهر، ج2، ص143‏].‏

‏2- محمد بن طلحة الشافعي (تـ 652ه‍)، قال في كتابه "مطالب السؤول": ((أبو القاسم محمد بن الحسن الخالص بن عليّ المتوكل ‏بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين ‏العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي، الحجة، ‏الخلف الصالح، المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته)) [مطالب السؤول، ص480].‏

‏3- سبط ابن الجوزي الحنبلي (تـ 654هـ)، قال في "تذكرة الخواص": ((هو محمد بن ‏الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ‏علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وكنيته أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة، ‏صاحب الزمان، القائم، والمنتظر، والتالي، وهو آخر ‏الأئمة)) [تذكرة الخواص، ص363].‏

‏4ـ نور الدين علي بن محمد بن الصباغ ،الفقيه المالكي (تـ 855ه‍) ( انظر ترجمته في الأعلام للزركلي )، ‏قال في أول الفصل الثاني عشر من كتابه "الفصول المهمة": (( في ذكر أبي القاسم الحجة، ‏الخلف الصالح، ابن أبي محمد الحسن الخالص، وهو الاِمام ‏الثاني عشر، وتاريخ ولادته، ودلائل إمامته، وطرفًا من أخباره، وغيبته، ومدة قيام دولته ‏الكريمة، وذكر كنيته، ونسبه، وغير ذلك مما يتصل به رضي الله عنه، وأرضاه)) [الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ج2، ص1096‏].

5 - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي مؤرخ دمشق (ت:953 هـ) قال في كتابه "الأئمة ‏الاثنا عشر" عن الاِمام المهدي عليه السلام : (( كانت ولادته رضي الله عنه يوم الجمعة ، ‏منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه المتقدم ذكره (رضي الله ‏عنهما) كان عمره خمس سنين...‏ ‏ثم ذكر الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) في قصيدة له، قال في آخرها: ‏

((عـسـكــريُّ الــحـــســـنُ الـمـطـــهـَّرُ *** مـحـمـد الـمـهـديُّ سـوفَ يـظهـرُ)) [الأئمة الاثنا عشر، ابن طولون الحنفي، ص117- 118]. ‏

‏6- أحمد بن يوسف بن سنان القرماني الدمشقي (تـ 1019هـ)، قال في كتابه "أخبار الدول ‏وآثار الأُوَل" في الفصل الحادي عشر: في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح:‏ ‏((وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، ’تاه الله فيها الحكمة كما أوتيها يحيى عليه السلام ‏صبيًّا. وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة... واتفق العلماء ‏على أنّ المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت ‏الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء ‏الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الآفاق، فيكون أضوأ من البدر المنير في مسيره)) [أخبار الدول وآثار الأُوَل، ص353-54].

‏ومن هؤلاء الأعلام، المتقدّم ذكرهم، ممن صرّح بغيبته (عليه السلام) وبقائه حيًّا إلى أن ‏يأذن الله بظهوره المبارك... مثل محمد بن طلحة الشافعي في كتابه "مطالب ‏السؤول في مناقب آل الرسول"، حيث قال: ‏((وأمّا عمره: فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، فلم يمكن ذكر ذلك؛ إذ ‏من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء ‏حياته، وقدرة الله واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامة، ولوازم عظماء العلماء أن ‏يدركوا حقائق مقدوراته وكنه قدرته لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، ولا نقل طرف تطلعهم إليه ‏حسيرًا وحده كليلًا، وأملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.‏ وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مد ‏الله تعالى أعمار جمعٍ كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه، فمن ‏الأصفياء: عيسى (عليه السلام)، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء، طالت أعمارهم، ‏حتى جاز كل واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح (عليه السلام) وغيره.‏ وأما من الأعداء المطرودين: فإبليس، وكذلك الدجال، ومن غيرهم كعاد الأولى، كان فيهم من ‏عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد، وكل هذه لبيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه، فأي مانع يمنع من امتداد عمر ‏الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر، فيعمل ما حكم الله له به؟ )) [مطالب السؤول، ص489]. ‏

وهذا المعنى من البيان الذي صدع به "محمد بن طلحة الشافعي" هنا، هو الموافق عمليًّا ‏لما صرّح به علماء الأنساب في حقّ الإمام محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام)... فالنسابة العمري المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري يصرّح في كتابه "المجدي في ‏أنساب الطالبيين"، ويقول ما نصّه: ((ومات أبو محمد عليه السلام وولده من نرجس عليها ‏السلام معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها ‏بذلك، وامتُحن المؤمنون، بل كافة الناس بغيبته، وشرِه جعفر بن علي إلى مال أخيه وحاله، ‏فدفع أنْ يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه )) [المجدي في أنساب الطالبيين، ص130].‏

وهكذا "الفخر الرازي" نجده بعد أن يثبت وجود أبناء وبنات للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ‏ينص على وفاتهم في حياة أبيهم واحدًا واحدًا، ويترك التعرض لذكر وفاة الإمام محمد بن ‏الحسن بالمرة، ولا يشير إلى شيء من ذلك البتة ، قال في كتابه "الشجرة المباركة في أنساب الطالبية"، تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري (عليه السلام)، ما ‏نصّه: ((أمّا الحسن العسكري الإمام عليه السلام فله ابنان وبنتان: أما الابنان، فأحدهما: ‏صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأما البنتان: ففاطمة ‏درجت في حياة أبيها، وأم موسى درجت أيضًا)) [الشجرة المباركة في أنساب الطالبية، للفخر الرازي، ص78-79].

وها هو نسابة المدينة "الشريف أنس بن يعقوب الكتبي"، يقول في كتابه "الأصول في ذرية ‏البضعة البتول": ((ومن الثابت عند أهل العلم من متقدمين ومتأخرين انقطاع خبره، وعدم ‏معرفة قبره ولا مكانه... (إلى أن يقول): ((ومن التحاليل السابقة والتي استقصيناها من الكتب ‏المعتمدة التي تؤكد لنا صحة اختفاء الإمام المهدي في سنّ مبكر وعدم ظهوره، فلم يكن له ‏عقب بالإجماع، وهذا ما أثبتته كتب الأنساب والمشجرات المتقدمة المعتمدة، بأن ليس له ‏عقب بإجماع كبار النسابين، وبذلك لم يعرف مكانه ولا ذراريه)) [الأصول في ذرية البضعة البتول، ص99]. ‏

‏النتيجة:

1 - إنكار وجود الإمام محمد بن الحسن العسكري، وأنه هو المهدي المنتظر (عليه السلام) يهدم حديث الثقلين.

2 - الإمام محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر (عليه السلام) وهو حيّ غائب.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة