مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

اغتيلَ رسولُ الله والتاريخُ يُخفي الجريمةَ

السائل احمد غدير النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 441 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

هل كانت وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاةً طبيعية كما يُقال، أم فارق الحياة مسمومًا شهيدًا، ومن ثمّ فما هو الوجه الصحيح في هذه المسألة؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

تدلّ جملة من الروايات المعتبرة عند الفريقين على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فارق الحياة مسمومًا، شهيدًا.

فقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين عن الشعبي قوله:

((والله ‌لقد ‌سم ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسم أبو بكر الصديق، وقتل عمر بن الخطاب صبرا، وقتل عثمان بن عفان صبرا، وقتل علي بن أبي طالب صبرا، وسم الحسن بن علي، وقتل الحسين بن علي صبرا، رضي الله عنهم فما نرجو بعدهم)) ‏[المستدرك على الصحيحين، للحاكم، ج3، ص61، ط العلمية]‏، ولم يتعقّبه الذهبي بشيء. كما روى أحمد في مسنده عن ابن مسعود أنّه قال:

((‌لأن ‌أحلف ‌تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا، أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك بأن الله جعله نبيا، واتخذه شهيدا)) ‏[مسند أحمد، ج6، ص418 ط الرسالة]‏.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ((رجاله رجال الصحيح)) ‏[مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، ج9، ص34، ط القاهرة]‏.

وهذا شاهد واضح على أنّ وفاته كانت بالشهادة، لا بالموت الطبيعي، غير أنّ السؤال عن الجهة التي تولّت دسّ السمّ يبقى محلّ نظر. فبعض الروايات نسبت الأمر إلى حادثة خيبر، حين قدّمت اليهودية لحمًا مسمومًا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة السابعة للهجرة. لكنّ هذا الوجه بعيد؛ لأنّ الأخبار نصّت على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأكل من ذلك الطعام بعد أن أُعلم بطريق الوحي أنّه مسموم، فضلًا عن أنّ المدّة بين خيبر ووفاته كانت ثلاث سنوات، وقد مات بشر بن البراء ـ الذي أكل منه ـ على الفور من شدّة السمّ، فكيف يبقى أثره لثلاث سنوات؟!

وعليه فالرواية لا تنهض دليلًا على أنّ موته (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بسبب تلك الحادثة.

لكن توجد رواية أخرى بالغة الأهمية، روتها عائشة في الصحيح، قالت: ((لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، وجعل يشير إلينا: «لا تلدوني». قال: فقلنا: كراهية المريض بالدواء، فلما أفاق قال: «ألم ‌أنهكم ‌أن ‌تلدوني»)) [صحيح البخاري، ج6، ص2527 تـ البغا]. أي سُقي دواءً في جانب فمه بغير اختياره، مع أنّه أشار إليهم أن لا يفعلوا، فلم يمتثلوا أمره حال صحوه، وانتظروا غفوته فسقوه، فلما أفاق قال لهم محتجًّا: «ألم أنهكم أن تلدّوني؟»! واللدود هو أن يُجعل الدواء في أحد شقّي الفم قسرًا.

وهذه الحادثة تثير استفهامات كبرى:

لماذا خُولف أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّ طاعته واجبة بالكتاب العزيز: ﵟوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواﵞ [الحشر:7]؟

وهل كان‏ (صلى الله عليه وآله وسلم)‏ يرفض دواءً فيه نفعه، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يأمر ولا ينهى إلا عن وحي؟

أ ليس هو القائل: «اكتبوا، فما يخرج منّي إلا الحق»؟ بل حتى في دعابته كان يقول: «إني لا أقول إلا حقًّا». فهل يسوغ بعد هذا كلّه أن يقال: إنّ رفضه كان مجرّد كراهة طبيعية، فيُتجاوز عن نهيه ويُسقى قسرًا؟!

إنّها جرأة عجيبة على مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا نجد لها مسوّغًا شرعيًّا ولا عقلائيًّا. وإذا ضُمّت هذه الحادثة إلى رزيّة يوم الخميس ـ حيث مُنع (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة ما أراد أن يخلّفه للأمّة ـ وإلى ما عُرف من محاولة اغتياله في العقبة على يد جماعة من المنافقين الذين كان حذيفة بن اليمان يعرف أسماءهم ولا يصلّي على جنائزهم، تبيّن أنّ الأمر لم يكن مجرّد وفاة طبيعية، بل سلسلة من المحاولات التي انتهت باستشهاده بالسمّ.

والنتيجة إنّ وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن وفاة عادية، بل هو شهيد مسموم، كما نصّت الأخبار، وما جرى في أيامه الأخيرة من مخالفات لأمره وسقيه ما لم يرض به، يكشف عن أنّ اغتياله كان واقعًا.

والحمد لله أولًا وآخرًا، وعظّم الله أجوركم بذكرى شهادة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

مسائل ذات صلة