مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

دعوى بلا دليل «لا فضيلة لعليّ (ع) في مبيته على فراش النبي (ص) لعلمه بالغيب»

السائل أحمد يعقوب النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 485 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

على معتقدكم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلم الغيب فهو ليلة مبيته على فراش النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه سينجو فأي فضيلة هذه التي تحسب له!!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

في عقيدتنا أن علم الغيب بالذات منحصر بالله تعالى، وعلم الإمام بالغيب ليس بالذات، وإنما مع تعليم اللّه تعالى الغيب للإمام بواسطة رسوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)، وهو تعلّم من ذي علم، دلّ على ذلك وورد الاستثناء في القرآن الكريم: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26-27]، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن ارتضاه الله سبحانه، والإمام كالنبي في جميع الأوصاف إلّا النبوّة.

وعلم الإمام (عليه السلام) المسبق بالنتائج إنما كان عن كمال وسمو في نفسه، وهذا بحدّ ذاته يعدّ أرفع مرتبة في الفضائل، لقوله تعالى: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى}، فالعلم الممنوح للإمام بواسطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليم الله تعالى له، فضيلة لا تدانيها فضيلة.

وثبوت الفضيلة غير متوقف على العلم بالنتائج أو عدمه، فليس متى ما علم بالنتائج تنتفي الفضيلة، وليس متى ما جهلها تثبت له، فنفي الفضيلة لمجرد علم الإمام (عليه السلام) بالنتائج، دعوى بلا دليل، يُكذّبها النقل الصحيح والصريح الوارد في المصادر السنيّة، ومن ذلك ما جاء (في تفسير الثعلبي): ((انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة خلَّف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه، وردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة الخروج الى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، ونام على فراشه، فقال: يا علي اتّشح ببردي الحضرمي، ثم نم على فراشي، «فانَّه لا يخلص اليكَ مكروه إن شاء اللّه»، وفعل ذلك علي عليه السلام، فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ الى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلتُ عمر أحدكما أطول من الآخر، وأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه اليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، فنامَ على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا الى الارض، فاحفظاه من عدوِّه، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عن رجله، فقال جبرئيل، بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكةَ، فأنزلَ اللّه تعالى على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن علي: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفَسَهُ ابتِغاء مَرضاةِ اللّهِ واللّهُ رَؤوفٌ بالعِبادِ})) [الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي، ج2، ص125-126، ومسند أحمد بن حنبل، ج1، ص331؛ وتفسير الطبري، ج9، ص140؛ والمستدرك على الصحيحين، ج3، ص4، وصرّح الحاكم بصحته على شرط الشيخين، واعترف الذهبي بذلك في التلخيص؛ وتفسير الرازي، ج5، ص223؛ وأسد الغابة، لابن الأثير، ج4، ص25].

ويستفاد من هذه الرواية عدة أمور:

أولاً: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو من أخبر علياً (عليه السلام) بنجاته من كيد المشركين وبطشهم بمشيئة الله، حين قال له: ((فانَّه لا يخلص اليكَ مكروه إن شاء اللّه))، فلا منافاة بين علمه بنجاته من القتل، وثبوت فضيلة مبيته على فراش النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن الإقدام على أمر بتكليف من الله سبحانه، أو من رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اطلاع المُقْدِم على نتائج هذا التكليف سواء أكانت سلبية أو إيجابية، لا ينافي ما يترتب على الإطاعة من الفضيلة.

ثانياً: لمّا امتثل عليّ (عليه السلام) أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونام في فراشه، أوحى اللّه عزَّ وجلَّ الى جبرئيل وميكائيل: ((إني آخيت بينكما، وجعلتُ عمر أحدكما أطول من الآخر، وأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه اليهما: ((ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، فنامَ على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة))، فالملحوظ هنا في هذا المقطع من الرواية أن فضيلة الفداء ثابتة لعليّ (عليه السلام) عن طريق الوحي رغم علمه (عليه السلام) المسبق بنتائج هذا التكليف.

ثالثاً: مباهاة الله عزّ وجلّ بعليّ (عليه السلام) على الملائكة، على رغم تصريح الرواية بإخبار النبي (صلى الله عليه وآله)، لعليّ (عليه السلام) بنجاته من القتل، مما يزيد في ثبوت الفضيلة له تأكيداً.

رابعاً: أنزلَ اللّه تعالى على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن عليّ (عليه السلام): {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفَسَهُ ابتِغاء مَرضاةِ اللّهِ واللّهُ رَؤوفٌ بالعِبادِ} [البقرة:207]، فلو كان علم عليّ (عليه السلام) بنجاته في نهاية المطاف، ينفي ثبوت الفضيلة له في المبيت على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لما عبّرت الآية الكريمة عنه بأنه شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله.

وحتى لو افترضنا أن الإمام (عليه السلام) لا يعلم بالنتائج المترتبة على مبيته في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه بلا شك ما كان سيمتنع عن المبيت مهما كانت النتائج، لما عُرف عنه (عليه السلام) من شجاعة وإقدام وغيرها من صفات تسالم المسلمون على توافرها فيه وصدورها عنه.

ولو افترضنا أيضاً أنه (عليه السلام) علم بالنتائج المتربة على مبيته في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت النتيجة أنه يُقتل، فكذلك لا تُعدّ فضيلة له في نظر أعدائه، لأنهم سيعدونه منتحراً!!

هكذا عُرف عن أعداء الإمام علي (عليه السلام)، كما في تأويلهم الأحاديث الصحيحة الواردة في فضائله وصرفها عن معانيها الظاهرة الصحيحة، بل قد تتعدى حدود ذلك إلى نسبة فضائله (عليه السلام) إلى غيره، من نحو ما ذكره ابن أبي الحديد - وهو من مشائخ الجمهور -: ((أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﵟوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِﵞ نزلت في حق ابن ملجم لعنه الله، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل أربعمائة ألف درهم، فقبل وروى)) [شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج4، ص73، باب56].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة