مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

دعاءُ (والسِّرُّ المستودَع فيها) ما له وما عليه

السائل فرقان النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 12 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سيدَنا، ما قولُكم في القول (السرّ المستودَع فيها) هل هو نصٌّ مأثورٌ عن كلام الأئمة ‏عليهم السلام أو هو نصٌّ علمائيٌّ متأخرُ الظهورِ في نصوص الأدعية، ألحقَه العلماءُ بالدعاء ‏المأثور ((اللهمَّ بفاطمةَ وأبيها ......)) ولكم خالص التحيّة والإكرام.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

هذا الدّعاء المعروف بلفظ: ((اللهمّ إنّي أسألك بحقّ فاطمةَ وأبيها وبعلها وبنيها والسرِّ المستودَع ‏فيها))، لم يُعثَر له على سنَدٍ في الكتب الحديثيّة المعتمَدة والمشهورة عند الإماميّة، كما أنّ متنه لم ‏يوجدْ في المصنّفات الروائيّة والأدعية المأثورة المتداوَلة بأيدينا اليوم، وهذا المقدار ممّا لا ‏خلافَ فيه. غير أنّ عدم العثور على السنَد لا يلازم الحكمَ بعدم الأصل، ولا يقتضي نفيَ ‏الصدور على وجه القطع، ما لم تقُمْ قرينةٌ معتبَرةٌ على ذلك.‏

وقد ورد هذا الدعاءُ في كلمات عددٍ من الأعلام، على نحو النقل والاعتماد العمليِّ، لا على جهة ‏الجزم بثبوته روايةً. فمِن ذلك ما ذكره السيِّد شهاب الدين المرعشيّ النجفيّ (رحمه الله) في ‏تعليقاته على العروة الوثقى، حيث نقل الدعاء بسلسلةٍ من العلماء، عن العلّامة جمال السالكين ‏الحاج مرتضى الرضويّ الكشميريّ، بطرقه إلى السيد رضيّ الدين ابن طاووس، عن السيدة ‏فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وصرّح بأنّها كانتْ تدعو به في قُنوتها، وذكر أنّه من الأدعية ‏التي أكّد أربابُ كتب السُّنن على قراءتها، بل ونقل أنّه دعاءُ الملائكة في قنوتهم. [يُنظر: العروة ‏الوثقى والتعليقات عليها، ج7، ص440]. ‏

وهذا النقلُ وإنْ لم يعضدْه وجود هذا الدعاء في مؤلّفات السيد ابن طاووس المتوفِّرة بين أيدينا ‏اليوم، إلّا أنّ مجرّد عدمِ الوجدان لا يلازم عدم الوجود، لاحتمال كونه مرويًّا في كتابٍ له لم ‏يصلْ إلينا، ولا سيّما مع تصريح مثل السيد المرعشي بنقله واعتماده، وهو من أهل التحفُّظ ‏والدقّة في النقل.‏

ويؤيّد ذلك ما نُقِل عن السيد المرعشي نفسِه من الوصيّة بالمداومة على هذا الدعاء، ولا سيّما في ‏قنوت الفرائض، كما أورده الشيخُ محمد فاضل المسعودي في كتاب الأسرار الفاطميّة [يُنظر: ‏الأسرار الفاطميّة، ص25]، نقلًا عن كتاب قبَساتٍ من حياة المرعشيّ النجفيّ، فإنّ مثل هذه ‏الوصيّة العمليّة الصادرة من فقيهٍ محقِّقٍ تكشف عن عدم تردُّده في أصل مشروعيّة العمل به.‏

كما أورده الشيخ أحمد الهمدانيّ في كتاب بهجة قلب المصطفى، ناقلًا إيّاه عن شيخه ومعتمَده آية ‏الله المرحوم الملّا علي المعصومي، وذكره في مقام التوسُّل والعمل. [يُنظر: بهجة قلب ‏المصطفى، ج1، ص252]. ‏

وقد علّق السيد محمد باقر الموسويّ في كتاب الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأعظم (ع) ‏بأنّ مثل الملا علي المعصوميّ بعيدٌ عن أنْ ينقل دعاءً أو يعمل به من دون أنْ يكون له مستندٌ ‏عنده، إمّا من جهة الرواية أو من جهة الاعتماد العلميّ فهو كلامٌ في محلّه؛ إذ إنّ سيرة أمثال ‏هؤلاء الأعلام جاريةٌ على التحرُّز من نقْل ما لا أصلَ له. [يُنظر: الكوثر في أحوال فاطمة بنت ‏النبيّ الأعظم (ع)‏، ج5، ص14].‏

ومن مجموع هذه المعطيات يتّضح أنّ هذا الدعاء لم يثبُت له سندٌ، كما لم يثبُت لمتنه ذكرٌ في ‏الكتب الروائيّة والأدعية المأثورة المتداوَلة اليوم، إلّا أنّه في الوقت نفسه ليس ممّا يُحكَم بعدم ‏صدوره، لاحتفافه بنقل جماعةٍ من الأعلام، واعتمادِهم عليه في مقام العمل.‏

وعليه، فإنّ الموقف هو التعامُل معه بعنوان كونِه ممّا يُرجى ثوابُه، فيجوز العمل به من باب ‏رجاء المطلوبيّة، على وفقِ ما أفاد به فقهاؤنا في نظائر هذه الموارد.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة