
سيدَنا، ما قولُكم في القول (السرّ المستودَع فيها) هل هو نصٌّ مأثورٌ عن كلام الأئمة عليهم السلام أو هو نصٌّ علمائيٌّ متأخرُ الظهورِ في نصوص الأدعية، ألحقَه العلماءُ بالدعاء المأثور ((اللهمَّ بفاطمةَ وأبيها ......)) ولكم خالص التحيّة والإكرام.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذا الدّعاء المعروف بلفظ: ((اللهمّ إنّي أسألك بحقّ فاطمةَ وأبيها وبعلها وبنيها والسرِّ المستودَع فيها))، لم يُعثَر له على سنَدٍ في الكتب الحديثيّة المعتمَدة والمشهورة عند الإماميّة، كما أنّ متنه لم يوجدْ في المصنّفات الروائيّة والأدعية المأثورة المتداوَلة بأيدينا اليوم، وهذا المقدار ممّا لا خلافَ فيه. غير أنّ عدم العثور على السنَد لا يلازم الحكمَ بعدم الأصل، ولا يقتضي نفيَ الصدور على وجه القطع، ما لم تقُمْ قرينةٌ معتبَرةٌ على ذلك.
وقد ورد هذا الدعاءُ في كلمات عددٍ من الأعلام، على نحو النقل والاعتماد العمليِّ، لا على جهة الجزم بثبوته روايةً. فمِن ذلك ما ذكره السيِّد شهاب الدين المرعشيّ النجفيّ (رحمه الله) في تعليقاته على العروة الوثقى، حيث نقل الدعاء بسلسلةٍ من العلماء، عن العلّامة جمال السالكين الحاج مرتضى الرضويّ الكشميريّ، بطرقه إلى السيد رضيّ الدين ابن طاووس، عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وصرّح بأنّها كانتْ تدعو به في قُنوتها، وذكر أنّه من الأدعية التي أكّد أربابُ كتب السُّنن على قراءتها، بل ونقل أنّه دعاءُ الملائكة في قنوتهم. [يُنظر: العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج7، ص440].
وهذا النقلُ وإنْ لم يعضدْه وجود هذا الدعاء في مؤلّفات السيد ابن طاووس المتوفِّرة بين أيدينا اليوم، إلّا أنّ مجرّد عدمِ الوجدان لا يلازم عدم الوجود، لاحتمال كونه مرويًّا في كتابٍ له لم يصلْ إلينا، ولا سيّما مع تصريح مثل السيد المرعشي بنقله واعتماده، وهو من أهل التحفُّظ والدقّة في النقل.
ويؤيّد ذلك ما نُقِل عن السيد المرعشي نفسِه من الوصيّة بالمداومة على هذا الدعاء، ولا سيّما في قنوت الفرائض، كما أورده الشيخُ محمد فاضل المسعودي في كتاب الأسرار الفاطميّة [يُنظر: الأسرار الفاطميّة، ص25]، نقلًا عن كتاب قبَساتٍ من حياة المرعشيّ النجفيّ، فإنّ مثل هذه الوصيّة العمليّة الصادرة من فقيهٍ محقِّقٍ تكشف عن عدم تردُّده في أصل مشروعيّة العمل به.
كما أورده الشيخ أحمد الهمدانيّ في كتاب بهجة قلب المصطفى، ناقلًا إيّاه عن شيخه ومعتمَده آية الله المرحوم الملّا علي المعصومي، وذكره في مقام التوسُّل والعمل. [يُنظر: بهجة قلب المصطفى، ج1، ص252].
وقد علّق السيد محمد باقر الموسويّ في كتاب الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأعظم (ع) بأنّ مثل الملا علي المعصوميّ بعيدٌ عن أنْ ينقل دعاءً أو يعمل به من دون أنْ يكون له مستندٌ عنده، إمّا من جهة الرواية أو من جهة الاعتماد العلميّ فهو كلامٌ في محلّه؛ إذ إنّ سيرة أمثال هؤلاء الأعلام جاريةٌ على التحرُّز من نقْل ما لا أصلَ له. [يُنظر: الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأعظم (ع)، ج5، ص14].
ومن مجموع هذه المعطيات يتّضح أنّ هذا الدعاء لم يثبُت له سندٌ، كما لم يثبُت لمتنه ذكرٌ في الكتب الروائيّة والأدعية المأثورة المتداوَلة اليوم، إلّا أنّه في الوقت نفسه ليس ممّا يُحكَم بعدم صدوره، لاحتفافه بنقل جماعةٍ من الأعلام، واعتمادِهم عليه في مقام العمل.
وعليه، فإنّ الموقف هو التعامُل معه بعنوان كونِه ممّا يُرجى ثوابُه، فيجوز العمل به من باب رجاء المطلوبيّة، على وفقِ ما أفاد به فقهاؤنا في نظائر هذه الموارد.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
