مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

ليس في القرآن أنّ الله يتحسّر

السائل أهمية تحديد الأهداف في استراتيجية المحتوى. النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 115 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يظنّ بعضُ الناس أنّ قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} يدلّ على أنّ الله تعالى يتحسّر أو يندم.. فهل تُثبت هذه الآية صفةَ الحسرة لله؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام،وهُداة الأنام.

إنّلفظَ الحسرة في لسان العرب يدلّ على شدّة الندم وتلهّف الفائت، وهي ـ بطبيعتها ـمن ‏الانفعالات التي لا تليق إلّا  بالممكن- أي: المخلوقِ - ومن ثَمّ، فإذا أُخذ اللفظُ على ظاهرِه ‏ونُسب إلى اللهِ سبحانهلزمَ إثباتُ الانفعال في جانبِه تعالى، وهو ما ينافي أصلَ التنزيه، ولهذا ‏كانتنسبةُ الحسرة إلى الله جلّ شأنه باطلةً عقلًا؛ لأنّ الحسرة إنّما تعرض إمّا لِجهلٍبالعاقبة أو ‏لعجزٍ عن تدارك الفائت، وكِلا الأمرين ممتنعٌ في حقّ مَن وسِع علمُهكلَّ شيءٍ ونفذت قدرتُه في ‏كلّ شيء.‏

ومنهيتبيّن وجهُ حملِ الآية؛ فإنّ المراد بقوله تعالى: ﵟيَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَﵞ [يس:30]، ليسإسنادَ الحسرة ‏إلى الله عزّ وجل، بل هو نداءُ تفجّعٍ على حال العباد، جاء علىسننِ كلامِ العربِ في النداء؛ ‏حيث يُنادى اسمُ الحسرة نفسُه تعظيمًا لشأن المصيبةوتصويرًا لفداحة الخسران، وهذا الفهم هو ‏الذي عليه المفسّرون؛ إذ ذكر الشيخالطوسي (ره) أنّ القائل إمّا المؤمنُ الذي جاء من أقصى ‏المدينة، أو مَن يشهدخسرانَهم فينادي: يا حسرةً على العباد، وأنّ المراد إنّما هو حسرتُهم على ‏أنفسهموعاقبتِهم، لا صفةٌ تُسند إلى الخالق جلّ شأنه، حيث قال (ره): ‏((قيل: هو قول الذيجاء ‏من أقصى المدينة. وقيل: معناه يحتمل شيئين: أحدهما - يا حسرة من ‏العباد علىأنفسهم. الثاني ‏‏- انهم قد حلوا محل من يتحسر عليه. وقال ابن عباس: معناه يا ويلا‏للعباد "ما يأتيهم من ‏رسول" أي ليس يأتيهم من رسول من عند الله"إلا كانوا به يستهزؤون" أي ‏يسخرون منه ‏ويهزؤون به، والذي حكى اللهتعالى عنه مخاطبا قومه هو ما قدمنا ذكره: حبيب ‏بن مري - في ‏أقوال المفسرين))‏[التبيان في تفسير القرآن، للشيخ الطوسي، ج٨، ص٤٥٣]‏.‏

وممّايؤكّد هذا، ما ذكره فخرُ الدين الطريحي؛ إذ بيّن أنّها إمّا حسرتُهم يوم القيامةعلى ما فرّطوا ‏فيه، أو حسرةُ المتحسّرين عليهم لعِظَم ما جنَوه، وأجاز حملَ اللفظعلى الاستعارة تعظيمًا لشأن ‏المصاب لا لإثبات انفعالٍ في جانب الله سبحانه، حيثقال ما نصه: ‏((قيل هي حسرتهم على ‏أنفسهم في الآخرة واستهزاؤهم بالرسل في الدنيا،ونوديت الحسرة ‏تنبيها للمخاطب على معنى ‏يا حسرة هذا أو أنك التي حقك أن تحضريفيه، أو المعنى أنهم ‏أحقاء أن يتحسر عليهم ‏المتحسرون، ويجوز أن يكون الحسرة منالله على سبيل الاستعارة في ‏تعظيم ما جنوه على ‏أنفسهم وفرط إنكاره. قال الشيخأبو علي: وروي عن أبي بن كعب وابن ‏عباس وعلي بن ‏الحسين ع يا حسرة على العباد علىالإضافة إليهم لاختصاصها بهم من حيث ‏أنها موجهة ‏إليهم)) [مجمع البحرين، للشيخفخر الدين الطريحي، ج٣، ص٢٦٦]‏

فالحاصل،بعد انتظام المقدّمات وتظافر النقول، اتضح أنّ الآية في مقام تصوير خسارةِالمكذّبين ‏وإسماعِ النداء عليهم، لا في مقام إثبات صفةِ الحسرة لله جلّ شأنه؛ ومنهنا ظهر أنّ الحسرةَ ‏إنّما تكون من نصيبِ مَن أعرضَ وكذّب، أمّا اللهُ سبحانهفمُنَزَّهٌ عن كلّ انفعالٍ ونقص؛ إذ لا ‏يفوته شيءٌ ليندمَ عليه، ولا يخفى عليهأمرٌ ليُراجعَ فيه حكمَه.‏

والحمدلله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبينالطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة