مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

بيان فساد التفريق بين التفسير والروايات التفسيرية

السائل ناصر الحسن النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 33 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم هناك البعض يستصعب إطلاق لفظ (تفسير) على الكتب التي فسرت القرآن بالنقل، فيدرجها تحت مُسمى أنها من ضمن الروايات الحديثية ولكن موضوعها: القرآن الكريم، وعليه، لا يصح إطلاق على كتب الروايات تفسيرية تفسير، فهل هذا الرأي صائب أو فيه مشكل …؟

الجواب

والحمد للهوكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمّدٍ وآله المطهَّرين، مصابيحِ الظلام،وهُداةِ الأنام.

القول بعدم صحةإطلاق لفظ (التفسير) على الكتب التي فسّرت القرآن الكريم بالنقل عن المعصومين(عليهم السلام) قولٌ غيرُ تام، ومنشؤه الخلط بين حقيقة التفسير من جهة، وبين جهةالبيان والطريق الموصل إليه من جهةٍ أخرى.

فإن التفسير،سواء أُخذ بالمعنى اللغوي أو الاصطلاحي أو العرفي أو الشرعي، لا يخرج عن كونهكشفًا وبيانًا للمراد. وقد جرى استعمال هذا المعنى عند علماء الإمامية على هذاالأساس. فالشيخ الطوسي عرّف تفسير القرآن بقوله: ((علمُ معاني القرآن، وفنونُأغراضه من القراءة، والمعاني، والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعنالملحدين فيه، وأنواع المبطلين)) [التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص2ـ3]. وصرّحالشيخ الطبرسي بأن التفسير هو ((كشفُ المراد من اللفظ المشكل)) [مجمع البيان فيتفسير القرآن، ج1، ص113].

وهذا المعنى،أعني كشف المراد وبيان المقصود، لا يختصّ بطريقةٍ دون أخرى، ولا يتوقّف على أسلوبٍمعيّن في العرض، بل يدور مدار تحقّق البيان وارتفاع الإبهام عن الآية. فمتى كانالكلام مبيِّنًا لمعنى الآية، كاشفًا عن مقصودها، صدق عليه أنه تفسيرٌ حقيقة.

وعلى هذاالأساس، يكون بيانُ المعصومين (عليهم السلام) لمعاني القرآن الكريم تفسيرًابالمعنى الحقيقي، لا توسّعًا في اللفظ ولا مسامحةً في التعبير؛ لأنهم هم المبيّنونللكتاب بنصّ الكتاب نفسه، وهم العالمون بمراد الله سبحانه فيه. فكيف يُجعل بيانُغيرهم تفسيرًا، ويُنفى هذا العنوان عن بيانهم، مع أن بيانهم هو الأصل في فهمالكتاب؟

وأما الدعوىالقائلة إن هذه المصنّفات ليست تفاسير، بل هي كتبُ رواياتٍ موضوعُها القرآن، فهيدعوى لا شاهد عليها، ولا تنهض لإخراج هذه المصنّفات عن عنوان التفسير؛ لأنها تغفلعن أن الرواية، من حيث هي نقل، لا تعيّن جهةَ العلم بنفسها، وإنما تتعيّن الجهةبالغرض الذي سيقت له. فالرواية إذا سيقت لبيان معنى آية كانت تفسيرًا، وإذا سيقتلبيان حكم شرعي كانت فقهًا، وإذا سيقت لبيان أمرٍ اعتقادي كانت من مباحث العقيدة.فالاختلاف هنا اختلافُ جهةٍ وموضوع، لا اختلافٌ في نفس الرواية.

ومن هنا جرىعملُ علماء الطائفة على عدّ المصنّفات الجامعة لروايات أهل البيت (عليهم السلام)في بيان الآيات من كتب التفسير، وتعاملوا معها على هذا الأساس، كـ (تفسير القمي،وتفسير العياشي، والبرهان في تفسير القرآن)؛ لأن موضوع هذه الكتب هو القرآن الكريمآيةً آية، وغايتها بيان معانيه وشرح مراده، لا جمع الروايات على اختلاف موضوعاتها.

والنتيجة أنالتفسير لا يُشترط فيه أسلوبٌ خاص، ولا يُنفى عنه لمجرد كونه قائمًا على النقل، بلالمدار كلّه على تحقّق بيان المراد من الآية. وبذلك يظهر أن إخراج التفسير الروائيعن عنوان التفسير خطأٌ في الفهم، لا يجري على ما عليه طريقةُ المحقّقين في هذاالاصطلاح.

ولعلّ قائلًايتوهّم فيدّعي:

إنكم جعلتم كلَّبيانٍ لمعنى الآية تفسيرًا، سواء صدر عن المعصوم أو كان نقلًا عنه، مع أن محلّالكلام عندنا ليس في البيان من حيث هو، بل في التدوين والتصنيف. فنحن نسلّم أنكلام المعصوم في بيان الآية تفسير، لكن لا نسلّم أن كل كتابٍ جمع رواياتٍ في بيانالآيات يصح أن يُسمّى كتابَ تفسير، بل غايته أن يكون كتابَ رواياتٍ في شأن القرآن،لا تفسيرًا بالمعنى المصطلح.

الجواب:هذا الإشكال في ظاهره متوجّه، لكنّه في الواقع ناشئٌ من نقلالنزاع إلى غير محلّه؛ لأن البحث ليس في مجرّد التسمية الاعتباطية، بل في حقيقةالعنوان ووجه انطباقه.

فكتاب التفسيرعند العلماء لا يُعرَّف بنحو التدوين وشكل التصنيف، بل يُعرَّف بموضوعه وغايته.فمتى كان موضوع الكتاب هو الآيات القرآنية مرتّبة، وكانت غايته بيان معانيها وكشفمرادها، صدق عليه أنه تفسير، سواء كان البيان فيه بالرواية أو بغيرها.

وعليه، فالتفريقبين (التفسير) و(الروايات التفسيرية) تفريقٌ لا دليل عليه بهذا الإطلاق؛ لأنالروايات إذا جُمعت على جهة بيان الآيات، وجُعلت الآية محور البحث، خرج الكتاب عنكونه كتابَ حديثٍ عام، ودخل في عنوان التفسير حقيقةً، لا تجوّزًا.

والحمد للهأوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبينالطاهرين المعصومين المنتجبين.

مسائل ذات صلة