
جمهور السُّنة يعتقد بوجود صحابة منحرفين عن جادّة الحق، لكنهم في ذات الوقت لا يعتقدون بعصمة الصحابة المنضبطين في دينهم، والذين وصلتْ عن طريقهم كثير من الروايات في جميع أبواب الدين، كما تعتقدون أنتم بعصمة الاثني العشر الذين ألغيتم تراث الصحابة الحديثي والروائي لصالحهم بدون أيّ دليل حقيقي معتبر.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذا الطرح من المستشكل يُعدّ غريبًا، حيث يُقرّ بعدم عدالة جميع الصحابة، فيشير إلى أن فيهم منحرفين عن جادة الحقّ كما أن فيهم المنضبطين، وأن أحكام الدين لا تؤخذ إلا من المنضبطين منهم، وهو أمرٌ يتعارض مع إجماع جمهور أهل السُّنة على عدالة جميع الصحابة، سواء كانوا منحرفين أو منضبطين، يقول ابن حجر في "الإصابة": ((اتفق أهل السنة على أن الجميع – أي الصحابة- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)) [الإصابة في تمييز الصحابة، ج1، ص10].
فإن كنتَ ممن يعتقد بعدم عدالة بعض الصحابة، فإنك تُصنَّف ضمن فئة الشذوذ المبتدعة، على وفق الوصف الذي قدّمه ابن حجر في كلامه المتقدم.
أما إذا كنتَ من الذين يعتقدون بعدالة جميع الصحابة، سواء كانوا منحرفين عن جادّة الحق، أم منضبطين، فإن التساؤل ينطلق حول سبب تمييزك بين الطرفين: لماذا تفضّل الاعتماد على آراء الصحابة المنضبطين، وتتجاهل آراء الصحابة المنحرفين؟ وما المسوِّغ وراء هذا التمييز، لا سيما وأن جميعهم يُعدّون عدولًا على وفق إجماع جمهور أهل السُّنة؟!
وها هم علماؤكم يؤكّدون عدالة جميع الصحابة، سواء المنحرفون منهم عن جادة الحق أو المنضبطون، فالنووي في التقريب يقول: ((الصحابة كلهم عدول، من لابَس الفتنة وغيرهم، بإجماع من يعتدُّ به)) [التقريب والتيسير، للنووي، ص92].
وعلى ضوء ما تقدم، يتضح أن مسألة التثبُّت في أخذ معالم الدين وأحكامه قد أصبحت بلا جدوى على وفق فلسفة عدالة جميع الصحابة، فلا يضر أن تأخذوا أحكامكم من منحرف عن جادة الحق أو منضبط، فالكل سواء في معتقدكم، كسهم مروان بن الحكم الذي كان يطلقه بكل الاتجاهات في معركة الجمل حينما التحم الجيشان، فقيل له: أ لا تتيقن من رميتك؟ فقال: أينما أصابت فهو الفتح!! وهذا هو الضياع والتيه بعينه.
فها هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرنا بأحاديث صحيحة صريحة متضافرة، رواها البخاري ومسلم عن ارتداد أصحابه من بعده، وأنّه لا ينجو منهم إلا مثل همل النعم - أَي القليل جدًّا – فعن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال: ((ليردَنّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك)) [صحيح البخاري ج7، ص207].
وروى البخاري عن ابن المسيب أنه كان يحدِّث، عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقول: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يردُ عليّ الحوض رجال من أصحابي، فيحلؤون عنه، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى")) [صحيح البخاري، ج5، ص2407].
وعن سهل بن سعد، قال: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردنَّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته، وهو يزيد فيها، فأقول: إنهم مني. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي)). [صحيح البخاري ج7، ص207-208؛ صحيح مسلم ج7، ص66].
وهذه أحاديث واضحة، لا يمكن حملها على المرتدّين أَو الجفاة من الأعراب كما يحاول بعضهم تحريفها بما يلائم هواه ومشربه.. حيث جاء فيها عبارات صريحة جدًّا لا تقبل التأويل، نحو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصحابي..)، وقوله: (فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي..)، الظاهرة في أنّ المبدّلين من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) والمحدِثين في الدين هم ممن صحبه وخالطه.
ونحو قوله: (رجال من أصحابي)، (أعرفهم، ويعرفونني..)، وهي عبارات لا يمكن حملها على المرتدّين من الأعراب في أطراف الجزيرة.. فأحاديث الحوض صريحة جدًّا في الصحابة، ولا يمكن دفعها بأيّ حال من الأحوال، ومن هنا نجد الإمام مالكًا يُصرح بندمه على إدراج أحاديث الحوض في موطئه ــ على صحّتها ــ، قال أحمد الصديق المغربي في "فتح الملك العلي": ((حكي عن مالك أنّه قال: ما ندمت على حديث أدخلته في الموطأ إلّا هذا الحديث، وعن الشافعي أنّه قال: ما علمنا في كتاب مالك حديثًا فيه ازدراء على الصحابة إلا حديث الحوض، ووددنا أنّه لم يذكره)) [فتح الملك العلي، الصديق المغربي، ص151].
بل وجدنا اعتراف الصحابة أنفسهم أنّهم أحدثوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فها هو البخاري يروي في "صحيحه" عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: ((لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم. وبايعته تحت الشجرة. فقال: يا ابن أخي، إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده!)) [صحيح البخاري، ج3، ص30].
وذكر ابن حجر في "فتح الباري": ((قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: "وما نفضنا أيدينا عن دفنه [أي عن دفن رسول الله] حتّى أنكرنا قلوبنا!!)) [فتح الباري، ج8، ص114].
وقد أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة قولها: ((إنّي أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثاً، ادفنوني مع أزواجه)) [المستدرك على الصحيحين، ج4، ص87، صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء].
فدعوى وقوع الأخطاء من الصحابة والإحداث في الدين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أمر ثابت لا يمكن لأحد دفعه بأي طريق كان، فقد جاءت به الروايات الصحيحة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبشهادة الصحابة أنفسهم، فكيف يُؤخذ من أمثالهم أحكام الدين ومعالمه؟!
وأما قول المستشكل: ((... تعتقدون أنتم بعصمة الاثني العشر الذين ألغيتم تراث الصحابة الحديثي والروائي لصالحهم بدون أيّ دليل حقيقي معتبر))!!
يُجاب عنه: أن النصوص الصادرة عن عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي حجةٌ على المسلمين كافة، سواء الذين يعتقدون بإمامتهم أو الذين لا يعتقدون بذلك؛ لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى أمتَه بأخذ الدين عن أهل بيته (عليهم السلام)، ولم يوصِها بأخذه عن أصحابه وأزواجه، وذلك في حديث الثقلين الصحيح المتواتر عند الجميع، وهو ـ كما في مسند أحمد ـ عن أبي سعيد، قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تاركٌ فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)) [مسند أحمد، ج 3، ص 14].
وهذا الحديث الصحيح المتواتر المشهور المقطوع الصدور المرويّ بالأسانيد المتعدّدة الكثيرة العالية، الذي قال عنه ابن حجر الهيثمي في صواعقه: ((ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقًا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابيًّا)) [الصواعق المحرقة، ص89-90].
وقال عنه الشيخ الأنطاكي: ((وقد بلغ هذا الحديث الشريف من الشهرة ما أغنى استطراد مصادره، فإنّه قد رواه الفريقان، واعترفت به الفرقتان، وعرفه الخاص والعام، بل حفظه الصغير والكبير، والعالم والجاهل، فهو فاكهة الأندية، وفي مذاق الأفواه، حتى كاد أن يتجاوز حدّ التواتر)) [لماذا اخترت مذهب أهل البيت، للأنطاكي، ص146].
فهذا الحديث الذي بلغ من الصحة والشهرة إلى حدٍّ لم يتمكن أحد من المتعصبين إنكاره، يدلّ على حصر مصدر الدين بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، فبالتمسك بهما - الكتاب والعترة - يتحرّز المسلم عن الضلال في العقيدة أولًا، وعن الضلال في الفروع ثانيًا، فكما أن الكتاب معصوم عن الخطأ "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فتكون العترة مثله.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
