مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص
موضوع مقتبس من الكتاب

كيف يُرد على شبهة استحالة إعادة المعدوم؟

الكتاب المرشد إلى العقيدة الحقّة الباب الفصل السادس: المعاد الصفحات 284-286

في الردّ على شُبهة استحالة إعادة المعدوم من جملة الشُّبهات التي أثارها بعضُ المتفلسفة في مقام إنكار المعاد الجسمانيّ، زعْمُهم أنّ الأبدان بعد الموت تتفرّق أجزاؤها، وتفنى، وتتحوّل إلى عناصر أخرى في التراب أو في أجساد الكائنات، ولا تبقى لها هُوية ثابتة يمكن استعادتها، فكيف يُعقل -على حدّ زعمهم- أنْ تُعاد هذه الأجساد بعد فنائها، وقد صارت إلى العدم؟! وهل إعادة المعدوم إلا مستحيلة في بديهة العقول؟! وهذه الشُّبهة -وإنْ زخرفها أصحابها بظاهر العقل- فهي في التحقيق ساقطة المبنى، فاسدة المعنى؛ لأنها قائمةٌ على توهُّمٍ باطل، وقياسٍ مع الفارق، فإنّ دعوى إنما تصحّ إذا كان المعدومُ لا واقعية له، ولا أصلَ له في العلم والحفظ، ولا إمكان له في الإعادة، أما ما كان محفوظًا في علم الله تعالى، مقدورًا عليه بقدرته، فإنه ليس معدومًا على الإطاق، ولا هو فانيًا من جهة الإمكان، بل هو متفرّقٌ لا مفقود، وغائبٌ لا معدوم، وفرْقٌ بين من لا وجود له أصاً، وبين مَن تفرّقت أجزاؤه

وهو في علم الله محفوظ ثم إنّ مثال الخلق الأول من أعجب ما يُحتَجّ به في هذا الباب، فإنّ الإنسان لم يكن شيئًا مذكورًا، وكان في بدايته نطفةً مَهينة لا شكل لها ولا عقل ولا أعضاء، ثم تحوّلت هذه النطفة -في أطوار متعاقبة- إلى عَلَقة، ثم مُضغة، ثم خُلق منها إنسانٌ سويٌّ عاقلٌ متكلِّم، بأعضاء متناسقة، وعقل راجح، وفكرٍ نافذ، وشخصيّة فريدة. أ فا يكون القادر على هذه النشأة من لا شيء، أقدر على أنْ يعيد الإنسان بعد أنْ صار شيئًا، وتفرّق؟! وهل الإعادة بأعجب من الابتداء؟! بل الخلق الأول أبلغ في القدرة من الإعادة؛ لأنّ الإعادة تقوم على شيء سبق وجودُه، وله تعيُّنٌ سابق، بخاف الخلق الأول الذي ابتدأ من العدم الصرف.

﴿وَهُوَ وقد نطق القرآن الكريم بهذا المعنى، فقال تعالى:، فبيّن أنّ إعادة الخلق الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أهون من بدئه، من حيث الاعتبار والقياس في فهم المكلّفين، لا من الخلق والإعادة على الله يسير، وإنما ًّاك من جهة القدرة؛ لأنّ م بحسب ما يُدرَك في عقول البشر. ايُساق الك وبهذا يظهر أنّ دعوى استحالة إعادة المعدوم لا تنهض على أساس؛ لأنّها مبنيّة على خلطٍ بين الفقد والتحلّل، وبين الفناء التام؛ ولأنّ العقل لا يُنكر إمكان ما أخبر به الله تعالى، إذا لم يكن فيه استحالةٌ ذاتية أو تناقض واقعي. ومَن عرف أنّ أجزاء الإنسان

محفوظة عند الله، وأنّ الله لا يعزب عن علمه مثقالُ ذرّة، علِم أنّ الإعادة ممكنةٌ، بل واقعة، وأنّ المعاد الجسمانيّ حقٌّ لا ريب فيه.