الأدلّة العقليّة على لزوم المعاد الجسمانيّ والروحانيّ
ليس اعتماد الشيعة الإماميّة في القول بالمعاد الجسمانيّ والروحانيّ قائمًا على النصوص وحدها، وإنْ كانت النصوص كافيةً بنفسها، بل إنّ العقل المستقلّ يشهد بذلك شهادةً قطعيّة، ويقضي بلزومه لتمام الحكمة وبداهة العدل، ويستقلّ بإدراك أنّ الرجوع الجسمانيّ هو مقتضى ما صدر عن الإنسان في دار التكليف، فإنّ الفعل في هذه النشأة لا يكون من الروح وحدها، ولا من الجسد وحده، بل هو مركّبٌ منهما معًا، تشترك فيه الجوارح والجوانح، فالنيّة والقصد والإرادة من شؤون الروح، وأمّا المباشرة والتنفيذ فواقعان في الجوارح، فإذا صلى العبد أو سرق، فإنّ ذلك لا يقع إلا باجتماع الروح والبدن، فا يمكن حينئذٍ أنْ يُقال بأنّ الروح وحدها هي التي تتحمّل الثواب أو العقاب، ويُسقَط من الحساب ّ مجافاةٌ للعدل، لامن باشَر العمل، وتحمّل أعباءه، وهل هذا إ وتفريطٌ في مقتضى الحكمة الإلهيّة؟!
فكما أنّ التكليف وقع على المجموع، كان لا بدّ أنْ يقع الجزاء
على المجموع كذلك، ولا يُتصوَّر في بداهة العقل أنْ يُثاب بعض الفاعل دون بعضه، أو يُجازى جزءٌ منه دون ما ساهمه في الفعل، ولا يكون ذلك إلا بتوهّمٍ في فهم العدل الإلهيّ، أو بنزعةٍ تجريديّة لا تلتفت إلى حقيقة الإنسان. وإنّ حقيقة الإنسان التي دلّت عليها براهين العقل، واتّفقت عليها الشرائع، ليستْ هي الروح المجرّدة وحدها، ولا الجسد وحدَه، بل الإنسان مركّبٌ من هذين الأمرين معًا، وبهما يتحقّق كمالُه ونقصه، وباجتماعهما يقع الامتحان والتكليف، فكما أنّ الإنسان لم يكن في دار الدنيا روحًا با جسدٍ، فا يكون في دار الجزاء روحًا وحدها دون جسدها، بل كما بُعث أولَ مرة جسدًا بروح، فكذلك يُعاد كما بدأه أول مرة.
ثم إنّ العقل لا يرى محذورًا في عود الأبدان بعد تفرُّق أجزائها، ولا يدرك في ذلك استحالة ذاتيّة أو امتناعًا عقليًّا، فإنّ الذي خلقها أول مرةٍ من نطفة مَهينة -وهو الذي أبدعها، وأتقنها- قادرٌ على أنْ يجمعها بعد أنْ صارت ترابًا وعظامًا رميمًا، كما أخبر تعالى في محكَم كتابه، فا يحتاج العقل حينئذٍ إلى برهانٍ جديد، بل يكفيه أنْ يُسلِّم بقدرته تعالى التي ابتدأت الخلق، فإنّ من قدر ﴿قَالَ على الإيجاد من العدم، كان إعادته أهون عليه، قال سبحانه:
، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ 78مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ وهذا هو الذي قضى به النقل والعقل معًا، وتلقّتْه الفطرة السليمة بالقبول، ولا يُنكره إلا متكلّفٌ أو غافل عن فطرته. ومن هنا، كان العقل المستقلّ شاهدًا ومؤيِّدًا لما جاء به الشرع
من القول برجوع الإنسان بجسمه وروحه، وإنّ الاقتصار على معادٍ روحانيّ هو مما يأباه العقل، ويُبطَل به الجزاء، ويُهدَر به الفعل، ويُناقض به العدل. فثبت أنّ المعاد الجسمانيّ ليس مما يحتاج في إثباته إلى النقل فقط، بل العقل يدلّ عليه، ويقضي بوجوبه، ويحكم بامتناع حصول الجزاء التامّ دونه.
