عناية القرآن الكريم ببيان المعاد وتقريره
إنّ من تأمّل في كتاب الله الكريم، وتصفّح آياتِه بتدبّرٍ وإنصافٍ، لم يشكّ أنّ المعاد هو أعظم ما تحدّث عنه القرآن بعد التوحيد، وأنّ الآخرة وما يتعلّق بها من البعث والنشور، والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، هو المقصود الأصيلُ من كثيرٍ من آيِ الذكر الحكيم. وقد أحصى بعضُ العلماء أنّ عدد الآيات التي تعرّضت.24224 (، ص2 بداية المعارف الإلهية، ج يُنظر: (( (.٣( 2 عقائد الإماميّة، ص (2 (
) آية من مجموع آيات القرآن المجيد، 200للمعاد يزيد على
وهو ما يُقارب ثلث القرآن، وهذا من أوضح الشواهد على تعظيم الله تعالى لشأن الآخرة، وبيانه لحقيقتها ومقامها بل إنّ كثيرًا من المواضع التي تحدّثت عن الإيمان بالله {سبحانه، قرنتْه بالإيمان باليوم الآخر، نحو قوله تعالى ثين ا، وقد ورد هذا الاقتران في زهاء ث ْخِرِ لآَِّ وَالْيَوْمِ ا للهبِا موضعًا، وأُشير إلى اليوم الآخر وما يدلّ عليه في أكثر من مائة
آية.
ولمَ لا يكون كذلك؟ فإنّ: - كمال الإيمان بالله تعالى، ومعرفته بالربوبيّة والحكمة ( والعدل، لا يتمّ إلا بالإقرار بالمعاد؛ إذ لا تتمّ العدالة الإلهية دون دارٍ يُوفّى فيها كلُّ نفسٍ ما كسبت. - الإيمان بالمعاد يُقيم لحياة الإنسان ميزانًا، فيُنقذها من 2 العبث، ويرفعها من اللهو والفراغ، ويجعلها مسارًا نحو الخلود، لا متاعًا زائاً لا ثمرة له. بالمعاد يُرشد الإنسان إلى طريق التكامل الحقيقيّ؛ - الإيمان ٣ ً في دار البقاء، أعدّ لها لاإذ مَن علِم أنّ له نشأةً أُخرى، واستكما العدّة، واستقام في السبيل.
.7، ص5 يُنظر: نفحات القرآن، ناصر مكارم الشيرازي، ج (( (.(( 4آل عمران (2 (
بالمعاد باعثٌ على تهذيب النفس، وإقامة حدود - الإيمان 4 الله، وأداء الحقوق، والتضحية في سبيل القِيم؛ إذ به يُفهم معنى له. االشهادة، ومعنى الصبر، ومعنى الوقوف بين يدي الله جلّ ج - الإيمان بالمعاد يُضعِف من سلطان الدنيا على القلب، 5 وينزع عنها صفة الغاية والهدف، ويجعلها وسيلةً لا غاية، ومزرعةً للآخرة لا دارًا للقرار، وشتّان بين مَن يرى الدنيا هدفًا، ومن يراها طريقًا إلى النعيم الخالد. - الإيمان بالمعاد يُبدّد وحشة الموٍت، ويحوّل صورته في 6 الذهن من كابوسٍ مخيف إلى نافذةٍ مشرقةٍ على عالم البقاء، ودار اللقاء، فيطمئنّ قلبُ المؤمن، ولا تزلزل روحَه أهوال الفناء.
- الإيمان بالمعاد هو الخطّ الفاصل بين الإلهيّين والمادّيّين، 7 فمن آمن بالمعاد فقد اعترف بعالم الغيب، وصدّق بما جاءت به الرسل والأنبياء، ومَن أنكره جرّه ذلك إلى الجحود والزندقة، وحُرِم من سكينة الإيمان وموعود الرحمة. ومن أجل ذلك أكثرَ القرآنُ الكريم مِن ذِكر الآخرة، وأكّد فيها القول، وكرّر البيان، ليحيا مَن حَيَّ عن بيّنةٍ، ويهلك من هلك عن بيّنةٍ، والله هو الحقّ المبين.
