المعاد هو الأصل الخامس من أصول الدِّين عند الإماميّة، وتمام الإيمان لا يتحقّق إلا بالإقرار به؛ إذ هو غاية الخلق، ومحلّ الجزاء، ومنشأ الخلود. وقد دعتْ إليه الرُّسل، ونطق به الوحي، واتّفقتْ عليه الشرائع السماويّة، لما فيه من إقامة الحجّة، وتمام العدل، وكمال الحكمة. وإنْ كان المعادُ في ترتيب أصول الدين يأتي بعد التوحيد، ّ أنّ القرآن الكريم قد عظّم شأنه، لاوالعدل، والنبوّة، والإمامة، إ وقرن ذِكره بالإيمان بالله في عشرات المواضع، بل أفرد لبيان أحوال القيامة والسؤال والثواب والعقاب أكثر من ألف آيةٍ، ً لافجعل الحديث عن الآخرة شطرًا عظيمًا من الوحي، ومجا دائمًا للإنذار والبشارة، والتربية والإصاح، لِما له من أثرٍ بالغ في تهذيب النفس، وضبْط السلوك، وتحقيق الغاية من الحياة.
ً ببيانِ حقيقةِ المعاد من حيث لاوفي هذا الفصل، نبتدئ أو اللغة والاصطاح، ثم نُتبِع ذلك ببيان عناية القرآن به، ونتأمّل في تركيبة الإنسان التي هي محلُّ هذا الرجوع، قبل أنْ نقف على
أقسام المعاد، ونفصِّل في القول الحقّ فيه، ونُفنّد ما قيل من
شبُهات في المقام، بعون الله وتوفيقه.
المبحث الأول
حقيقة المعاد
المعاد في اللغة مأخوذٌ من العَود، وهو الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته، سواء كان الانصرافُ عنه بالجسد أو بالعزم والنيّة. وقد يُطلَق المعادُ على العودة نفسها، أو على الزمان الذي يتحقَّق فيه الرجوع، أو على المكان الذي يعود إليه العائد وأمّا في الاصطاح فالمعاد -بفتح الميم- هو رجوع النفس إلى الجسد الذي تعلّقت به في النشأة الأولى، بعد أنْ فارقته بالموت، فيعود الإنسان بهيأته وذاته ليُبعَث للحساب والجزاء، وهذا هو المراد بيوم القيامة، ويُطلَق عليه أيضًا حيث كونُها محلّ هذا الرجوع ومقامه.
وقد يُستعمل فيُراد به رجوع الأرواح إلى أبدانها بعد الانفصال، وهذا بناءً على
القول المختار من بقاء الروح بعد الموت، وأنّها لا تفنى بفناء
الجسد، بل تستقلّ، وتنتظر يوم الرجوع. وأمّا على بعض الأقوال الأخرى -كمَن يرى فناء النفس.594 - 59٣ يُنظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص (( (
باتحادها مع البدن- فالمعاد عندهم يكون بإعادة الخلق من جديدٍ بعد تفرُّق الأجسام، وتكوينهم تكوينًا آخر، وهو قولٌ شاذّ، لا يُعبأ به عند أصحاب التحقيق من الإماميّة وقد صرّح الشيخ المظفّر بأنّ الإيمان بالمعاد مما اتّفقت عليه الشرائع، وأجمَع عليه الأنبياء، وأثبتتْه العقولُ السليمة، ونطق به الكتابُ العزيز في آياتٍ كثيرة، بل ما يقرُب من ثلث القرآن يتعلّق بشأنه، وهو من ضروريّات الدين التي لا يسع المؤمن إنكارها، لزِمه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ مَن أقرّ بوجود الخالق، وصدّق برسالة النبيّ الخاتم أنْ يؤمن بما أخبر به من البعث والنشور، والحساب والجزاء، ّ لاوالثواب والعقاب، والجنّة والنار، ولا عذر لمتشكّكٍ في ذلك، إ أنْ يكون في أصل التوحيد أو النبوّة مرتابًا، والعياذ با
