مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص
موضوع مقتبس من الكتاب

لماذا تُعد النبوة لطفًا إلهيًا؟

الكتاب المرشد إلى العقيدة الحقّة الباب الفصل الرابع: النبوة الصفحات 173-175

النبوّة لطف إلهي

الإنسان مكوَّنٌ من قوى متعدِّدة تتفاعل داخله، فهناك القوة العاقلة التي تجعله يفكر، ويتأمل، ويدرك الخير والشر في حدودٍ معيَّنة، والقوة الشهويّة التي تدفعه إلى طلب الملذّات والمُتع المادِّيّة، والقوة الغضبيّة التي تمنحه القدرة على الدفاع عن نفسه وكرامته، والقوة الخياليّة التي تفتح أمامه آفاقَ الإبداع في عالم الفنون والجمال.. لكنْ هل يمكن للإنسان -بعقله وحده- أنْ يُدرك الغاية الحقيقيّة من وجوده، وما يريده منه الخالق الذي أنعم عليه بهذه القدرات العظيمة؟

إنّ العقل البشريّ، على رغم سموِّه وقدرته على التمييز بين الخير والشر في مستوى معيَّن، يقف عاجزًا عن معرفة تفاصيل ما يريده اللهُ سبحانه منه، أو طبيعة الشكر الذي يستحقُّه المولى على نِعمه، أو كيفيّة الوصول إلى الغاية النهائيّة من الخلق. هل يكتفي الإنسانُ بقول أخرى تُناسِب مقام الإله الذي أوجده، وسخَّر له هذا الكون؟ وكيف يمكنه -بعقله وحده - أنْ يكتشف منهج الحياة الأمثل

الذي يحقِّق له السعادة الدنيويّة والأُخرويّة؟ الحقيقة أنّ الإنسان، بدون توجيه إلهي، لن يستطيع الوصول إلى هذه الحقائق الكبرى، وهذا ما يجعل النبوّة ضرورة عقليّة قبل أنْ تكون قضيّة دينيّة؛ لأن العقل وحده لا يكفي لهداية الإنسان نحو الكمال المطلوب. وهنا يأتي دور الأنبياء في إيضاح المراد الإلهيّ، وتبيين الطريق الذي يجب أ الاعتقادات في دين الإمامية نْ يسلكه الإنسان ليحقِّق الغايةَ من وجوده. ومن هنا، فإنّ النبوّة هي لطفٌ لازمٌ يقتضيه كمال الله وصفاته، ومن ثَمَّ تكون النبوّةُ ضرورةً لا غنى عنها.

معنى اللطف: اللطف في اللغة هو إيصالُ ما يحبُّه الإنسان إليه برفقٍ، كما يقال ابن منظور في "لسان العرب، أي الرفيق َُّ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ لله{من أسمائه، وفي التنزيل العزيز بهم. ويقول ابن الأثير في تفسيره الرفق في الفعل والعمل بدقائق المصالح وإيصالها إلى مَن قُدِّرَت له من خلْقه.( 9الشورى (( (، مادة(٣ 6،ص9 يُنظر: لسان العرب، لابن منظور، ج (2 (

أما في الاصطاح، فاللطف هو العباد يكون الإنسان المكلَّف معه أقربَ إلى فعل الطاعة وأبعد «:. يقول المحقِّق الطوسي فعل المعصية عن، أيْ إن الغاية من خلق الإنسان وبلوغه لتحصيل الغرض به مراتب الكمال لا تتحقَّق إلا بإفاضة أسباب الهداية التي تُعيْنه على السير في طريق الحقِّ. فالنبوّة من أعظم مصاديق اللطف الإلهيّ؛ إذ إنّ الله سبحانه لم يترك عباده سدًى، بل بعث إليهم أنبياءه ورسلَه ليقيموا عليهم الحجّة، ويبيِّنوا لهم سبيل الرشاد، ويأخذوا بأيديهم إلى ما فيه سعادتُهم في الدارين. ولو لم تكن النبوّة لطفًا مِن الله سبحانه، لظلّ الإنسان في ظلمات الجهل والضال، يتخبَّط بين الشهوات والأهواء.