مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص
موضوع مقتبس من الكتاب

لماذا يتفاوت الناس في الرزق والجمال والقدرات؟

الكتاب المرشد إلى العقيدة الحقّة الباب الفصل الثالث: العدل الإلهي الصفحات 138-142

أما مسألة التفاوت في الأرزاق والأشكال، فهي أيضًا من الأمور النسبيّة، وليستْ شرًّا مطلقًا. فلو كان جميعُ البشر على، لما كان (عليه السلام) درجةٍ واحدة من الجمال كجمال نبيِّ الله يوسف هناك معنًى للجمال أصاً؛ لأنّ الجمال لا يُعرَف إلا بوجود درجاتٍ متفاوتة، فهو مفهومٌ نسبيٌّ يتحدَّد بمقارنته بغيره. وكذلك الحال في الرزق، فلو كان الجميعُ متساوين في المال، لما سعى أحدٌ للعمل، ولما كان هناك معنًى للتكافل أو العطاء، ولتعطَّلت دورة الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تقوم على التكامل بين الأفراد.

1 ( Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it, p.12 (2 ( Ibid., p.39.

وعليه، فإنّ الشر المطلق لا وجود له في هذا العالم، وكلّ ما يُعتقد أنه شرٌّ محض هو في حقيقته شرٌّ نسبيٌّ يحمل في طياته حكمة إلهيّة، وسيأتي تفصيلُ ذلك وبيان الحكمة من وجود هذه الأمور في موضعٍ آخر من البحث.

ثالثًا: أثر الشرور في تحقيق التكامل البشري

إنّ محاولة فهْم موضوع الشرور بالنظر إلى عالم الدنيا فقط هي مقاربةٌ ناقصة لا يمكن أنْ تؤدِّي إلى استيعاب الحكمة الإلهيّة الكامنة وراء هذه الظواهر. فكما لا يمكن للإنسان أنْ يفهم روايةً كاملة بقراءة فصلٍ واحد منها، كذلك لا يمكنه أنْ يدرك الغاية حظة آثارها في هذا العالم امن وجود الشرور والآلام بمجرَّد م وحدَه. إنّ مَن ينظر إلى الشرور من زاوية الأذى الذي تُلحقه ببعض الأفراد، دون أنْ يأخذ بعين الاعتبار النظام الكونيّ المتكامل الذي أوجده الله سبحانه، يقع في خطإٍ علميّ ومنهجي كبير؛ لأن هذا الكون لم يُخلَق منفصِاً عن سائر العوالم الأخرى، بل هو جزءٌ من سلسلةٍ مترابطة من العوالم التي يرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، فا يمكن عزل عالم الدنيا عن عالم الآخرة بأيِّ حالٍ من الأحوال.

فالذي يرى الزلازل والبراكين مجرَّد شرورٍ تضرّ بعض الناس، يغفل عن كونها، من جانبٍ آخر، ضروريّة لحفظ استقرار الأرض، إذ تُسهم في تشكيل سطحها، ورفع الجبال، وإخراج المعادن

الثمينة، وتخصيب التربة، وتسريع نموّ النباتات، وزيادة خضرة المراعي. فليست هناك ظاهرةٌ في الكون إلا وهي خاضعةٌ لنظامٍ دقيقٍ يحمل في طياته حكمةً وغاية. وإلى جانب قانون العلِّية الذي يحكم الكون كما أُشير إليه سابقًا، هناك حِكَمٌ وغاياتٌ أخرى وراء خلق الشرور والآلام والتفاوت في الخلق والرزق، بعضُها يرتبط بعالم الدنيا على وفق النظام العِلّي، وبعضها يرتبط بعالم الآخرة وما يترتَّب عليه من ثوابٍ وجزاء. فالإنسان بطبيعته المركَّبة من الغرائز والشهوات والعقل يحتاج في مسيرته التكامليّة إلى اجتياز سلسلةٍ من الامتحانات والابتاءات حتى يبلغ الكمال الذي أراده له خالقه؛ إذ لا يمكن أنْ تتحقَّق الفضائل الإنسانيّة الحقيقية كالصبر، والإيثار، والتضحية، والتوكُّل، واليقين، إلا بمواجهة الصعوبات والمِحن. فالمؤمن الذي يواجه الابتاءات بصبرٍ وثبات يترقَّى في درجات الكمال، ويهيّئ نفسه لنيل الجزاء العظيم في الآخرة، حيث يكون الثوابُ متناسبًا مع ما بذَله الإنسان من جهدٍ في تجاوز المِحَن التي وُضِع فيها في هذه الحياة الدنيا.

ومن هنا، فإنّ أيّ تناولٍ لموضوع الشرور بمعزلٍ عن المنظومة الكونيّة الكاملة، وعن العوالم المتعدِّدة التي تمرّ بها النفس البشريّة، هو تناولٌ قاصر لا يمكن أنْ يعكس حقيقة الحكمة الإلهيّة. فليس عالم الدنيا سوى محطّة ضمن سلسلةٍ من العوالم التي يمر بها الإنسان، وهو يخضع فيها لاختباراتٍ وابتاءات تُعِدّه لمقامٍ أسمى

في الدار الآخرة. وهذه العوالم مترابطة على وفق قانون العِلّية، بحيث يكون لكل ابتاءٍ أثر في إكمال المسيرة التكامليّة للإنسان؛ لذا، فإنّ وجود الشرور والآلام والتفاوت في الرزق هو جزءٌ من النظام الكونيّ والتشريعيّ الذي وضعه الله عزّ وجلّ لتحقيق الغاية الكبرى من خلْق الإنسان. هذه (عليهم السلام) وقد أكَّدت الآياتُ القرآنيّة وكلمات أهل البيت الحقيقة في أكثر من موضعٍ، حيث بيّنتْ أنّ الابتاءات التي يواجهها الإنسان ليست عبثيّة، وإنما هي جزءٌ من الفتنة والاختبار الإلهيّ، {كما قال تعالى {وقال عزّ وجل َْنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ لأَْمْوَالِ وَا لأمِّنَ ا وأشار الله سبحانه إلى طبيعة الحياة الدنيا، وكونها دار ابتاء،، أيْ أنه خُلِق في مشقةٍ ِْنسَانَ فِي كَبَدٍ لإ{بقوله زمه طوال حياته، ليكون ذلك جزءًا من اختباره في اوصعوبات تُ هذه الدنيا.

في وصف الدنيا قوله (عليه السلام) وجاء عن أمير المؤمنين بالباءِ محفوفةٌ، وبالغدر معروفة... وإنما أهلها فيها أغراضٌ.٣ 5الأنبياء (( (.( 55البقرة (2 (. 4البلد (٣ (

، في إشارة إلى، ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها مستهدفة طبيعة الابتاءات التي تُحيط بالإنسان في هذه الحياة، والتي تُعدُّ جزءًا من سَيره نحو الكمال. ومن هذه الحقائق، يتّضح أنّ الشرور التي تبدو للبعض كأنها عبثيّة أو غير ذات فائدة، إنما هي ضروريّة لحفظ نظام الكون واستقراره، وتحقيق غاياتٍ أعظم، سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة، وهي جزءٌ لا يتجزَّأ من الحكمة الإلهيّة التي لا يحيط بها العقل ّ بمقدار ما يُتاح له من فهْمٍ في لاالبشريّ المحدود في إدراكه، إ حدود قدراته البشريّة.