ثانيًا: صفة الحكمة
إنّ الحكمة من الصفات الثبوتيّة الفعليّة التي يتّصف بها الله سبحانه وتعالى، وهي صفةٌ كمالية تقتضي أنْ يكون كل ما يصدر عنه تعالى متقَنًا، موافقًا للغرض الصحيح، منزَّهًا عن العبث واللغو. وقد عرّف العلماء الحكمة بمعنيين رئيسَين: - الإتقان في الفعل، فالحكيم هو الذي يأتي بأفعاله على ( وجهٍ بالغ الإتقان، بحيث لا يشوبها نقصٌ أو خللٌ. - التنزُّه عن فعل ما لا ينبغي فعلُه، أيْ أنّ الحكيم لا يأتي 2 بأفعالٍ عبثيّةٍ لا هدف لها، ولا يقوم بشيءٍ قبيحٍ ينافي العقل والحكمة.
المعنيين ثابتان للمولى عزّ وجل، فهو حكيمٌ في أفعاله، اوك عن اللغو ومنزَّهٌ بمعنى أنّ كل ما يصدر عنه متقَنٌ غاية الإتقان، والعبث والظلم والقبح.
دليل حكمة الله تعالى
إذا أراد الإنسانُ أنْ يُدرك هذه الصفة العظيمة، فلينظر في هذا الكون الفسيح الواسع، وما فيه من موجوداتٍ وكائناتٍ منظَّمةٍ ومحكَمةٍ، حيث تتجلّى كلُّ مظاهر الإبداع والإتقان والانتظام في خلقه سبحانه وتعالى.
فلو نظرتَ إلى الأفاك والمجرّات، وحركة الكواكب والنجوم، وقوانين الجاذبيّة، والتوازن بين القوى الكونية، لرأيت فيها دقّةً مذهلةً وانضباطًا لا مثيل له، مما يكشف عن حكمةِ خالقها، وأنه أوجدها على أكملِ وجهٍ، على وفق نظامٍ محكَمٍ لا تتخلَّله الفوضى أو العبث. ولو تأملت في النظام البيئيّ على الأرض، والتوازن بين الكائنات الحيّة، والروابط المعقَّدة بين النبات والحيوان والإنسان، والدورة المائيّة، ودورة الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون، والآليّات البيولوجية المتقَنة في جسم الإنسان، لأدركت أنّ كل شيءٍ خُلِق بحكمةٍ متناهيةٍ، بحيث يخدم هدفًا معيَّنًا، ويؤدِّي وظيفةً دقيقةً في منظومةٍ متكاملة.
، DNAولو نظرتَ في التكوين الدقيق للخليّة الحية، وال والتصميم العجيب الذي تسير عليه جميع الكائنات في نموِّها وتكاثرها وبِنيتها، لوجدت أنّ كل شيءٍ مصنوعٌ بحكمةٍ مطلقة، وأنه لا يمكن أنْ يكون وليد المصادفة العمياء. ومن هنا، فإنّ حكمة الله سبحانه لا تقتصر على بعض الأشياء دون بعضٍ، بل هي ساريةٌ في كل شيءٍ خلَقه، وكل فعلٍ صدَر منه، وكل أمرٍ قدّره؛ لأنه العليم الحكيم الذي لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يصدر عنه إلا ما هو متقَنٌ في غايته، كاملٌ في تدبيره، فهو
{سبحانه وقد أشار القرآنُ الكريم إلى هذه الحقيقة في مواضع كثيرة، {، وقوله {منها قوله تعالى َْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِاً لأخَلَقْنَا السَّمَاء وَا وهكذا، فإنّ كلّ ما في الوجود يشهد على حكمة الله سبحانه، ّ الفعل المتقَن والكامل، فهو الحكيم لاوأنه لا يصدر عنه سبحانه إ الذي لا يعبث، ولا يظلم، ولا يخلق شيئًا إلا على وفق نظامٍ بالغ الإحكام، يحقِّق غايةً عليا تناسب حكْمته المطلقة. إشكالٌ وجوابه: إذا كانتِ الحكمة صفة فعليّة، فهل يكون الله سبحانه الإشكال:
حكيمًا فقط عند حكمته، كما نقول: إنه خالقٌ عند خلقه ورازق عند رزقه؟ الجواب: حظة أنّ الصفات الذاتيّة هي التي يستحيل أنْ الا بدّ من م يتصف سبحانه بنقيضها أبدًا، مثل العلم والقدرة والحياة. وأنّ الصفات الفعليّة، هي التي يمكن أنْ يتّصف بها في حالٍ، وبنقيضها.7السجدة (( (.(( 5المؤمنون (2 (. 27ص (٣ (
في حال آخر، مثل الخلق والرزق، حيث يُقال: إن الله خلق كذا، نًا ولدًا، ولم يرزقه لآخر. اولم يخلق كذا، ورزق ف وإن الصفات الفعليّة تُنتزع من الأفعال نفسها، كالخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها، فهي حادثةٌ بحدوث الأفعال، إلى أنّ الصفات الفعليّة على قسمين: وقد أشار السيد الخوئي - عناوين أوليّة للفعل نفسه، كالخالقيّة والرازقيّة. ( - عناوين منتزَعة من الفعل، كالصدق والعدل. 2 وفي القسم الأوّل يصحّ اتّصاف الذات به وبعدمه، بخاف القسم الثاني، فإنّ سلبه إنّما هو بسلبِ منشأ انتزاعه لا بسلب نفسه، فا يصدق على الله تعالى أنّه ليس بصادقٍ، ولكنْ يصدق مًا كان على تقدير صدوره صدقًا اأنّه لم يُحدِث ك والحكمة من القسم الثاني، أيْ من العناوين المنتزَعة من أفعاله تعالى، فسلْبها عنه إنما يكون بسلب منشأ انتزاعها، أيْ عدم وقوع الفعل على وجه الحكمة، لا بسلبها عن ذاته المقدَّسة، فا يقال:
إنّ الله ليس بحكيمٍ، وإنما يقال: إنه لم يصدر ٌمنه فعل في ظرفٍ ما اتّصف بالحكمة. وفي ضوء ذلك يُفهم أنّ الحكمة تُعدُّ من العناوين المنتزَعة يُنظر: رسالةٌ في الأمر بين الأمرين، تقرير أبحاث السيد الخوئي، للشيخ محمد تقي (( (. (7ص الجعفري،
من الفعل، أيْ أنها تُستنبَط من كيفية وقوع الفعل الإلهيّ واتّصافه بالإتقان والغاية. وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ الحكمة -على أنها صفةٌ فعليّة لله سبحانه وتعالى- تتعلَّق بأفعاله، وتُستنبَط من كيفيّة وقوع هذه الأفعال واتّصافها بالإتقان والغاية.
