مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص
موضوع مقتبس من الكتاب

هل الوجدان دليل على وجود الله؟

الكتاب المرشد إلى العقيدة الحقّة الباب الفصل الثاني: التوحيد الصفحات 39-42

الوجدان طريقٌ إلى معرفة الخالق

سفة بأنه إدراكٌ االوجدان في اللغة ضدّ الفقدان، ويعرّفه الف ذاتيٌّ مباشرٌ، يحصل للإنسان بقواه الداخلية، كالإحساس والشعور، دون حاجةٍ إلى دليلٍ خارجيٍّ أو استدلالٍ نظريٍّ. فإحساس الإنسان باللذة أو الألم، وشعوره بالخوف أو الفرح، أمورٌ يدركها بنفسه دون أنْ يُخبره بها أحد، أو يحتاج إلى إثباتٍ خارجيٍّ لإدراكها وتشير الدراسات النفسيّة والتحاليل الفلسفيّة إلى أنّ داخل كل إنسانٍ قوةً إدراكيّةً خاصّة، تُمكّنه من التمييز بين الخير والشر، والحُسْنِ والقبْح، والعدل والظلم، دون أنْ يكون بحاجةٍ إلى تعلُّمٍ مسبقٍ، وهذه م.( 994ه( 4 ( 4. ط557، ص2 يُنظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ج (( (

سفة ب االقوة تُعرَف عند الف الفطريّ الذي يتولَّد في النفس بمجرَّد الالتفات إلى الشيء. سفة هذا النوع من المعرفة ضمن "العلم اوقد عدّ الف الحضوريّ"، أيْ ذلك العلم الذي يحصل للإنسان مباشرةً، با حاجةٍ إلى استدلالٍ أو اكتسابٍ خارجيٍّ. فكما أنّ الإنسان يدرك الألم عند إصابته بجُرحٍ، أو يشعر بالفرح عند حدوث أمرٍ سارٍّ، دون حاجةٍ إلى أنْ يُخبره أحدٌ بأنّ هذا ألمٌ وذاك فرح، فكذلك يدرِك الإنسانُ وجود مبدإٍ أعلى لهذا الكون بمجرَّد النظر في نفسه، وتأمَّل وجوده؛ لأن الشعور بالحاجة إلى قوةٍ عُليا قائمةٍ على التدبير والإحاطة، هو من الأمور الفطريّة الراسخة في النفس البشريّة.

وهذا الوجدان المغروس في كل نفسٍ بشريّة، هو طريق الإنسان الأول لمعرفة وجود الخالق المدبِّر لهذا الكون. فكلُّ إنسانٍ إذا رجع إلى نفسه بصدقٍ، وأطلق العنان لوجدانه، وجد في داخله ذلك الشعور العميق الذي يرشده إلى حقيقةٍ ثابتةٍ، وهي أنّ لهذا العالَم خالقًا وموجدًا، هو الذي أخرجه من العدم، ورزقه، ووفّر له كل أسباب البقاء، وسخّر له كلَّ ما في الوجود، وهذا الشعور الفطري، وإنْ حاول البعض كتمانه أو تجاوزه، يبقى شاهدًا على أنّ الإيمان بالخالق ليس أمرًا مكتسبًا أو مفروضًا، بل هو جزءٌ من فطرة الإنسان التي فُطر عليها.

ولهذا نجد أنّ الإنسان، حتى لو نشأ في بيئةٍ بعيدةٍ عن التعاليم الدينيّة، يظلّ لديه إحساسٌ داخليٌ بوجود قوةٍ عُليا تهيمن على هذا الوجود. ففي لحظاتِ الضيق، أو عند مواجهة الأزمات الكبرى، تجد الإنسان يلجأ بفطرته إلى هذه القوّة العليا، ويطلب العون والغوث، حتى لو لم يكن قد تعلّم مسبقًا شيئًا عن الله أو الدِّين. وهذا دليلٌ وجدانيٌّ على أنّ الشعور بوجود الله سبحانه مغروسٌ في النفس البشريّة، وليس مجرَّد فكرةٍ يكتسبها الإنسان من مجتمعه أو بيئته.

{وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى َ تَبْدِيلَ لًاوَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا َ يَعْلَمُونَ لًالِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فالإيمان بالله ليس نتيجةً للتربية أو التعلُّم، بل هو جزءٌ من الفطرة التي جُبِل عليها الإنسان، فإذا لم تتدخَّل المؤثِّرات الخارجيّة التي تفسد هذه الفطرة، فإنّ الإنسان سيهتدي إلى خالقه بمجرَّد أنْ يصغي إلى وجدانه، ويتأمَّل في ذاته ووجوده.

وهكذا، فإنّ طريق الوجدان هو أحد أقوى الأدلّة على وجود الخالق؛ لأنه لا يحتاج إلى مقدِّماتٍ عقليّةٍ أو تجريبية، بل هو إحساسٌ داخليٌّ عميقٌ، يدركه كلّ إنسانٍ في ذاته، ويرشده إلى

حقيقةٍ لا يمكن إنكارها، وهي أنّ لهذا الكون إلهًا خالقًا، هو الذي

أوجده، وهو الذي يدبّره بحكمته وقدرته..٣ 0الروم (( (