مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص
موضوع مقتبس من الكتاب

كيف نؤمن بالله ونحن لا نراه؟

الكتاب المرشد إلى العقيدة الحقّة الباب الفصل الثاني: التوحيد الصفحات 31-33

كيف نؤمن بشيءٍ لا نراه؟

ومن الشُّبُهات التي يُثيرها بعض المشكِّكين في هذا السياق هي قولهم:

كيف نؤمن بشيءٍ لا نراه، ولا نلمسه، ولا نحسُّ به؟

ويظن هؤلاء أنّ الإيمان بالخالق يستلزم رؤيته بالحواسِّ الماديّة، وأنّ كل ما لا يُدرك بالحسِّ ينبغي نفيه وإنكاره. لكننا نقول لهم: هناك الكثير من الأمور التي يؤمن بها البشر دون أنْ يروْها أو يلمسوها، فهل يعني ذلك أنها غير موجودة؟ لو كان عدم رؤية الشيء سببًا لإنكاره، لوجب على الإنسان أنْ يُنكِر كثيرًا من الحقائق التي يعترف بها الجميع، على رغم أنهم لا يدركونها بحواسِّهم المباشرة. إننا لا نرى الجاذبيّة الأرضية، ومع ذلك نؤمن بوجودها؛ لأننا نرى أثرها في جذب الأشياء إلى الأسفل إذا أُطلقت في الهواء، ولو لم تكن موجودة لبقيت الأجسام معلَّقة في الفضاء با سبب.

ومع ذلك، فإنّ العلماء قد اختلفوا في تفسير ماهيّة الجاذبية، فبينما رأى نيوتن أنها قوةٌ تجذب الأجسام نحو الأرض، ورأى آينشتاين أنها مجرَّد انحناءٍ في نسيج الزمكان بسبب الكتلة.

وكذلك المغناطيس، لا يرى أحدٌ القوة التي تجعل الحديد ينجذب إليه، لكنّ الجميع يؤمن بوجودها؛ لأنها ظاهرةٌ محسوسة من أثرها. والعقل، أيضًا، لا يمكن رؤيتُه أو لمسه، ومع ذلك نؤمن بوجوده؛ لأننا نرى آثاره في التفكير والاستنتاج وحلّ المسائل العقليّة. والأمر نفسه ينطبق على الروح، فا أحدَ يرى الروح نفسها، ولكننا نرى أثرها في حياة الإنسان، وحركة جسده، وحينما تفارقه، نعلم أنّ حياته قد انتهت. وكذلك العواطف والمشاعر، فنحن لا نرى الحبَّ، ولا نلمس الكراهية، ولكننا ندرك أثرهما في التصرُّفات والسلوكيات.

وفي العلوم الحديثة، نرى كيف أنّ علماء الفلك يكتشفون حظتهم لاختالات في حركة اوجود كواكب غير مرئية بمجرَّد م الكواكب الأخرى، فيحكمون بوجود جرم سماويٍّ آخر يُحدِث هذا التأثير، على رغم أنهم لم يروْه بأعينهم. وكذلك الطبيب يشخِّص المرض بناءً على أعراضه وآثاره، دون أنْ يكون قد رأى الجرثومة أو الفيروس بحدِّ ذاته. فإذا كانت كل هذه الأمور تُقبَل في مجال العلوم والحقائق اليوميّة، فلماذا يرفض بعضهم فكرة الإيمان بالخالق، بحجّة أنه لا يُرى؟ إنّ هذه الدعوى لا تستند إلى أيِّ أساسٍ علميٍّ أو منطقيٍّ، بل هي مجرَّد مغالطةٍ تناقض بديهيّات العقل والواقع.

سفة إلى هذه الحقيقة بقوله اوقد أشار أحد الف أنْ ينتقل الإنسان من معلومٍ إلى مجهول، ومن شاهدٍ إلى غائب، ومن حاضرٍ إلى مستقبل لم يحضر بعدُ أمام البصر، أو إلى ماضٍ قد انقضى، ولم يعد مرئيًّا ولا مشهودًا، ومن ثَمَّ كان العقل هو الذي يتعقَّب الحدث إلى أسبابه، أو إلى نتائجه. وأما أنْ نرى الشيء، وقد انكشف، وتجلى، فا عقل في ذلك، بل لا فرق بين العاقل والمخبول وهذا يعني أنّ مَن ينكر وجود الخالق، بحجّة أنه لا يراه أو لا يُحَسّ به، فهو في الحقيقة يتجاهل وظيفة العقل الأساسية، والتي تقوم على الاستدلال بالآثار والنتائج للوصول إلى الأسباب والعلل. ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما يراه بعينه، لما استطاع أنْ يبني علومه ومعارفه، ولما كان هناك فرقٌ بين العقاء والمجانين.

ومن هنا، فإنّ العقل السليم لا يمكن أنْ ينكر وجود الخالق بحجّة عدم رؤيته؛ لأن هذا الوجود مشهودٌ بآثاره في كلِّ شيءٍ حولنا، وكلُّ ما في هذا الكون يدلّ دلالةً واضحة على وجود صانعٍ حكيم أتقن خلقه، وأحكم نظامه، وما على الإنسان إلا أنْ يتدبَّر في هذه الآيات، ليصل إلى اليقين بوجود الله عزّ وجلّ، فهو الحقّ الذي لا ريب فيه، وهو الحقيقة الكبرى التي لا يمكن للعقل أنْ يتجاهلها أو يغفل عنها.. ((٣ كتاب تجديد الفكر العربي، للدكتور نجيب محمود، ص (( (